الجمعة، 16 أكتوبر، 2009

عثمان شنقر- لواري من غبار


بعد توقف اللوري مباشرة , أما المقهى الصحراوي ظهرا المراة العجفاء ذات الرثاثة المحزونة من مكان مجهول على وجهها يرتسم تعابير مشفق من اصرار عابري القرى الصحراوية في طريقهم إلي ليبيا او إفريقيا الوسطى على ارتياد هذا الطريق المحفوف بفوهات بنادق النهابين .
ترى لواريهم مشحونة بمختلف الاصناف من جوالات الخيش وبضائع في صناديق محزومة بحديد البال كلها ترقد في بطن اللوري . في استقرار مطمئن مع حفنة من الركاب الغامرين بكل شي .
استطاعت المرأة بخبرة بصرها أن تقدر المسافة التي قطعها اللوري بواسطة الغبار العالق بسطحه المدهون وبواسطة النباتات المشتبكة في الصواميل وحديدة الماكينة التي ترفع الساعد غطاءها الآن وهو مهمك في انتزاع الاعشاب الجافة من بن طيات الحديد , باعصاب مرتجفة .
تمكنت المرأة من التعرف على نباتات تلك المناطق التي قطعها اللوري وعرفت فيها اماكن كثيرة في مختلف مراحل حياتها العديدة : أثناء الرعي بالبهائم أيام لشباب حين كانوا يتوغلون كثيراً بحثاً عن العشب والماء ومرات أخرى حين سافرت إلي المدينة عن طريق بص متهالك واخذت منهم الرصحلة أيام كثيرة في الطريق ومرة حين وجدت نفسها في حملة انتخابية مساندة لمرشح مغمور عن دائرتهم وفوجئت بان الجميع لا يعرفون ذلك المرشح كما تعرفت علي بعض النباتات التي تنبت حذاء النيل . تلك النباتات التي بعثت فيها ذكرى حمى جسد غابرة تمكن فيها احدهم من انتزاع الكهرمانة النفسية .
اللوري يقف أمام المقهى مغبر السطح يصدر صوتاً خفيفاً مثل الانين والركاب نزلوا متعجلين في عيونهم ذلك الالتماع الحيواني للخوف من القادم .
جلب لهم صاحب المطعم وصبيانه العناقريب العارية للجلوس والاستجمام مرحبا بهم في عبارات متصلة تالياً عليهم قائمة طويلة من المأكولات والمشروبات الساخنة والباردة . صبيان المقهى اعدوا الاباريق والمصلى واكواب الماء للمسافرين سائق اللوري اخبر صاحب المقهى أن عجلتهم في السفر وانهم لم يمكثوا طويلاً . سأله صاحب المقهى عن وجهتهم فاخبره السائق واردف بتوتر ظهر سؤالا عن الطريق ومدى خطورته .
المرأة كانت واقفة بعيدا تراقب السحنات المختلفة لركاب اللوري . بعد قليل انضمت إليها إمراتيين في نفس عمرها . وقفن يراقبن ويهمسن على شي ما . صاحب اللوري الذي خبر هذا الطريق لفت نظره منظر النسوة المتهامسات فحمل ابريقه كأنه ذاهب إلي الخلاء ولما فهم ما يدور بينهن اشار إلي احداهن إشارة ذات معنى فتبعته من بعيد .
لما تاكد المساعد من غياب السائق دخل الحلة التي يعرفها من قبل . حسب النقود التي في جيبه . امراة كان قد تعرف عليها من قبل . اعتاد كلما جاء يذهب إليها . تبيعة الشاب والمتعة .
عندما فرغ الركاب من اداء صلاتهم جماعة شالوا الدعاء طويلا بان يكون الطريق آمن وان يعودوا إلي ذويهم سالمين غانمين آمين .
تلك المرأة ذات الرثاثة المحزنة , عادت مرة أخرى إلي المقهى بمظهر اقل رثاثة وحزن . بل بدأ عليها بدل الاشفاق – اللطف والبشاشة . تود وجهها بما يشبه الخجل والحياء . جاءت بعد أن جاء السائق وجلس على عنقريب منفرد . اشار إليها بالاقتراب فاقتربت وجلست جواره لاحتساء شاي المساء . كانت البشاشة تقطر من ملامحها الدقيقة . نفضت بعض التراب العالق بثوبها . حملت الذكري إلي عشرين سنة إلي الوراء يوم أن نفضت تراب البحر من فستانها , اثر العراك غير المتكافئ مع الرجل , حيث تمكن الرجل من نزع الكهرمانة النفسية عنوة . ثم نزلت إلي البحر للاستحمام بدون عويل او بكاء . رأت الرجل وهي تدامس الماء يلملم اطراف ثيابه ويختفي امام ناظريها في الافق كأنما جاء من المجهول . إلي اليوم لم تعرف له ملامح ولا تجد له شبه . زان كان سائق اللوري اقرب شبهاً به .
رأي السائق المساعد يخطر امامه سعيداً , حاملا الزيت المستعمل ليدفقه في الخلاء فابتسم وغبطة على ما قام به عرف أن المساعد دخل الحلة وخرج منها سعيد بقدر وافر والمرأة التي صحبته إلي الخلاء تجلس جواره على العنقريب ولم تزال اثار الرمال التي افترشاها على ثيابها ودع السائق المرأة وعصر إليها مبلغ من المال في يدها . تمانعت قليلاً ثم قبلت النقود على مضض لمل الح عليها .
الركاب المتعجلون علي السفر كانوا قد انتهوا من صلاتهم وادعيتهم منذ زمن طويل . تناولوا اكواب الشاي الساخنة على ضؤ الرتينة ولما قاموا يستعجلون السائق كان اللوري قد سبقهم في لحظات قاموا برفع حقائبهم على ظهر اللوري وركبوا جميعاً وودعوا من بقى بالمقهى .
تحرك اللوري أولا في بطء ثقيل ولما استقام الطريق ذادت سرعته . الجميع كانوا في خوف رهيب من القادم . الطريق الذي كانت تعرفه المراة العجفاء ذات الرثاثة المحزونة كان مشرعاً على بنادق النهابين سريعة الطلقات وقفت المرأة تنظر بحزن شفيف إلي الغبار الذي خلفه اللوري . و تسألت : كم مرة وقفت هذه الوقفة تودع الاعزاء الذين يركبون لواري الغبار!؟ .

الأحد، 4 أكتوبر، 2009

رانيا مأمون - عبور


تتكرر زياراته لي ويطرح عليّ نفس الأسئلة بنفس نبرة الحزن:
ـ ألم تصبحي طبيبة كما وعدتني؟
أجيب أنا بذات الشعور الطاغي بالندم:
ـ للأسف، لا!
يقول لي:
ـ كنت أضع فيك أحلامي وظننتك ستحققيها.
أصمتُ لعدم قدرتي على الرد، أو ربما إحساس الخيبة الذي يتقطّر من كلماته يصيبني بالخرس.
***
رائحتك مدبوغة في شقوق الحائط ممتزجة بذرات التراب. تتسلل إليّ وتغمر هواء الغرفة. اتلفّت لأعرف مصدرها. تغمرني، تحيط بي، أمدّ يدي كي اقبض بها في كفي، كي أمسّها علِّي أمسّك من خلالها، علِّي أمسُّ كفك البضة، وجهك، يدك. أحسّك قريباً. قريباً جداً. أحسّك قربي، فيّ، داخلي. أشعرُ بأني إن مددت يدي ستصطدم بك.
رائحتك تفتح مشارع الذكرى فتغزوني بغتةً مثل جيوش النمل تلسعني بقوة وفوضى: على عيني، جلدي، مسامي، دمي، أذنيّ وهما تلتقطان ذبذبات صوتك الحاني. تغمرني الذكرى فاستشعر دفء حضنك ودفء السرير عندما أنام قربك في طفولتي بدلاً عن أمي. عندما تأتي من مأموريتك التصق بك مثل الغراء. تحاول أمي أن تبعدني فلا استجيب. تقول لي: غداً سيسافر. أقول لها: ولكنه سيعود.
الآن وبعد أن كبرت وبعد أن ذهبت أنت، بعد أن اسلمتني لهذا الفقد الذي يصعب التعايش معه، لن استطيع أن أجيب نفس الإجابة أو أكون بذات اليقين.
رائحتك تملأ كل مساحات الفراغ. تخرجني من دوامة ذكرى لتقذفني في أخرى أوسع وأعمق وتضخِم فيّ إحساس وجودك قربي. تحتسي الشاي، بكوبك الكبير الذي مازلنا نحتفظ به، وكم كنت تحب الشاي. بعده تستمع إلى الراديو مستلقياً على قفاك واضعاً رجلاُ فوق أخرى، ثم تعبث في حقيبة ذكرياتك وتنادي عليّ كي أقرأ هذه الورقة أو تلك. وأحياناً يخاتلني طيفك وأنت تتوضأ تهيؤاً للصلاة، واستدعِ الآن فرحتك عندما انتقلنا لهذا المنزل قرب المسجد حيث قوة الآذان تضرب داخل القلب وتهزّ البدن، قلت: أكثر ما يفرحني هو جواري للمسجد، أهناك أفضل منه جار؟
***
اليوم عيد. الكل يرفرف فرحاً. مؤذن الجامع يُكبِّر ويهلِّّل والأطفال من بعده يكررون:
الله أكبر. الله أكبر. لا إله إلا الله. الله أكبر ولله الحمد
أبناء اخوتي يدخلون ويخرجون فرحين بملابسهم الجديدة وحلوى العيد لا تفارق أفواههم. يأتون إليّ ويضجّون:
إياد:
ـ وين العيدية؟ ما قلتي ح تدينا ليها بعدين!.
براءة:
ـ أدينا سرعة عشان ماشين الطوطحانيات (المراجيح)
زياد:
ـ إنتي ح تدينا كم؟ العيدية بتكون كتيرة، أدينا قروش كتيرة عليك الله.
حينها كنتُ أضع اللمسات الأخيرة في ترتيب البيت. أعدِّل من وضع الستائر، أشدّ الملاءات الجديدة، وازيد الجمرات في المبخر حيث أعواد الصندل تكمِل بهجة العيد وتهبها رائحتها.
اسمع أختي تنادي على أمي:
ـ يُمَّة.. يُمَّة.. تعالي شوفي أبويّ دا مالو.. شكلو تعبان شديد.
تذهب أمي. تتلمسّه. تسأله لا يجيب. تطلب منها أن تنادي على أخي كي يُحضِر جارنا الطبيب.
في ذلك اليوم غسلته أختي في الصباح وألبسته جلبابه الجديد، عطّرته وأخبرته بأن اليوم هو العيد. لا يبدو أنه أدرك ما تقول، أو عرف ما هو العيد. كان غائباً عن الإدراك. تسأله لا يجيب أو حتى يعطي الإحساس بأنه سمعك. ينظر إليك فتخال أنه لا يراك بل يرى عَبرك، نظراته زائغة، تائهة في فضاء المكان.
سقته الشاي الذي يحبه وأعادته إلى رقدته في السرير وغطته جيداً. سألتها:
ـ قدر يشرب الشاي؟ رجّع؟
ـ ايوة شرب. لكن ما متأكدة ح تحتفظ معدتو بيهو ولا ح تطلعو.
***
كنتُ طفلته الأثيرة، كان يحبني جداً. عندما يراني جالسة بهدوء وحدي لا أتسامر مع بقية الأسرة يأتيني ويسألني:
ـ مالك، في شنو؟ قاعدة براكي ليه؟
ـ مافي حاجة.. قاعدة ساي
ـ أمشي أقعدي مع اخوانك وإتونسي معاهم، ما بحب اشوفك قاعدة براكي كدا.
كان يخصني بكل شيء يحضره، حلوى، نقود، قصب سُكّر، فول، تسالي، يخصني بالحنان، القرب منه، كل شيء وعندما يحتج أخوتي يتحجج بأني آخر العنقود.
بعد عودتي من المدرسة كنت أسأل أمي عن الغداء فيرد عليّ هو:
ـ امشي المطبخ براكي، انت بتخجلي دا بيتك امشي أكلي.
يعلن دوماً عن آماله الكبرى فيَّ: ابنتي هذه أريدها طبيبة. يناديني دائماً بالـ دكتورة وكنتُ أطرب لهذا النداء. وبعد كل هذا الحنان عجزتُ عن تحقيق رغبته.
***
في انتظار الطبيب كنت أجلس قرب رأسه وهو ممدد على السرير. ألاحظ حبيبات من العرق على جبينه ورأسه الأصلع. أمسحها بيدي مجردة من أيّ منديل. يندّي جبينه مرة أخرى أمسحه مرة أخرى. يستمر في الندى وأواصل أنا في المسح بيدي العارية.
عندما حضر الطبيب وجدنا نحيط به، أمي تدلك اقدامه المتشنجة، أختي على الطرف الآخر من السرير تمسك بيده، أخي واقفاً ليس ببعيد وأنا على رأسه ماسحة جبينه باستمرار. يعاينه بدّقة. أمي تنتبه لنظرات أبي. ربما أدركت ما كان يحدث، بدأت تردد الشهادتين. الطبيب لم يطلب منها الصمت، بل واصل في قياس الضغط وفتح عينيه وقراءة نبضه. أرى شفاه أبي تتحرك وتردد بعد أمي الشهادتين بصوتٍ خفيض يكاد لا يُسمع. ثم يغيب الصوت وتبطؤ حركة الشفاه.
في لحظة فاصلة ندّى الجبين بغزارة. توقفت الشفاه عن الحركة ورفع الطبيب رأسه وعلى وجهه تعبير آسف. لجهلي لم أكن أدرك حتى تلك اللحظة بأني أمسح أثر تعرُّق خروج الرَّوح، ولم أدرِ أنها خرجت. ربما عبرت قربي، ربما اصطدمت بي اثناء عبورها، ربما ودَّعت، لوَّحت أو ابتسمت، لكني رغم قربي ما رأيتها قط.

السبت، 5 سبتمبر، 2009

عبدالرحمن حسن سعد

الحائط
إهداء إلى روح أمي في عيد الأم
كان الحائط يفصل بيننا، دائماً ما أحاول ان أتسلقه، فأسقط. ذات يوم قلت لأمي: يا ماما إحمليني على ظهرك قرب الحائط، أجابتني بابتسامة تشفّ عن معرفتها قصدي، فلم تكترث لي ثانيةً. كنت أسمع صوتها بالجانب الآخر كنا أطفالاً، كنت فقط أريد أن أنظر إليها كما كنت سابقاً، من الذي أمر بتعلية الحائط؟ يبدو أنه أبوها، ذاك الرجل الضخم الجثة، كثير الكلام، قليل الهمة، عرفت ذلك عندما كبرت، تم نقل وجدان من روضتنا بعد تلك المشاجرة الصغيرة معي. حيث تعمدتُ أن أسقطها عندما كنا نلهو بالكرة، كانت دائماً بعيدة عني، كانت تميل لخالد، ذلك الصبي الوسيم الأنيق، بينما أنا لا أصلح الإ أن أكون عاشقاً لها، في ذلك اليوم جاءت حاجة/ آمنة والدتها، ذات اللسان الطويل الغليظ، أوضحت لأمي المسكينة فشلها في تربيتي، ولأنني طفلها الوحيد بعد عدة عمليات إجهاض، كان الاحتفاء بي، كنت أعلم أن لي وضعاً معتبراً في البيت، ولكن أيضاً بحيث لا يتجاوز المعقول، نادتني أمي بعد ذهاب حاجة/ آمنة تستوضحني، فأنكرتُ وتعللتُ بأني لم أقصد إيقاعها، ولكن عيوني كانت تقول كلاماً آخر هو ما أوقعني في فخ الكذب، لم تضربني، بل قالت لي: تاني ما تعمل كده يا أحمد، مفهوم؟.
طرتُ فرحاً: مفهوم، مفهوم ـ يا أمي الحبيبة.

صفاء نقد

البحر . . ظل السماء
كل ما يفصل وجهها عنه دخان كثيف كان يندفع من فمه على وجهها كل حين،لم تكن تبدو كما تركها عيونها الخجولة أصبحت أكثر تمرداً،ضحكتها الهادئة...صارت عالية ومجنونه.أما هي فقد كانت تغوص في تفاصيله،تغير فيه الكثير ذاب حجمه الضخم،وعيونه الصغيرة الماكرة قد تلاشت فيها تلك اللمعة فأصبحت باهته،كل شي فيه تغير! فقط صوته الحزين الساخر بقي كما هو.
خلفهما البحر يتمدد في صمت،أمواجه تخطو في هدوء عذب لتنكسر على شاطئه،وأمامهما يمتد المكان بإضاءة خافته،و من زاوية ما كان(محمد عبده)يغني(الأماكن كلها مشتاقة لك).بينما هما جالسان يحاولان كما البحر أن يقولا شيء.
هو أغمض عينيه قليلا وترك جسده ليرتاح،بدأ وكأنه يحاول أن ينفصل عن هذا العالم، الهواء كان نقيا ومنعشا والهوى أيضا،كل شيء في هذا الحيز الصغير كان يبعث السكينة والأمن،حتى يقينه بأنها تقابله تماما،أذنها تبعد عن كل ما يثقله من وجع سنوات بمقدار همسه، قلبها كان مفتوحا بمقدار أن يبكي.فقط كل ما يبعده عنها هو عيناه ما أن يفتحها حتى تتبدل امرأة غير المرأة و مكان غير المكان.اتكاءته كانت تبدو مثل استرخاء مريض في جلسة علاج نفسي،هي كانت تبدو مثل مرافقته الحميمة أحيانا ومثل طبيبته أحيانا أخرى. كانت تنظر إليه وهي تحس به،بأن شيئا ما يعبث بكيانه لكنها لم تدرك ما هو.تحول كل ذلك الوله والشوق الذي سكنها إلى إحساس عميق بالحنان حد الخوف والشفقة البريئة انسابت دمعة واحدة من عينها مالحة،كأنها قطره من ذلك البحر..
كل ما يراه مختلا هما يجلسون على سطح الصالة والأرض و البحر من فوقهما رؤوسهم قد بلغت السقف وأرجلهم تطأ الهاوية. كل رواد هذا المكان يزحفون برؤوسهم بمنتهى السهولة ما علق بذهنه منظر الميزان عندما رأى التاجر يكتال ما أراد شرائه ويستوفي فكان الميزان مختلا.
سألها أن كان هناك مشروب فراولة طازجة...فهو يشعر بعطش شديد...هي أشارت بيدها إلى النادل ازدادت نظراته لها سوءا وهو يراها توحي له بإشاراتها.هي أطرقت رأسها لماذا يرمقني بهذه النظرات المزرية. بدأت الصالة مثل سفينة تائهة قد عجز قبطانها عن قيادتها...بعد أن أتعبه البحث عن بر لا سبيل له.
وصل ما أشتهى من مشروب نظر بغضب هو يريد فراولة،جاءت له بالماء. أحست بضيق شديد،ناولته العصير ثم فتحت حقيبتها،أخرجت منها الساعة تطلعت فيها،ثم ارتدتها .
هو كان ينظر إليها وعيناها تزدادان جرأة،فتحت حقيبتها أخرجت منها حقنة دقيقة وصغيرة تطلعت فيها طويلا ثم مدت يدها اليسرى غرزت تلك الحقنة تحت جلدها سحبت الكثير من دمها،وأفرغته على الكوب ثم دفعته نحوه وهي تقول لي اشرب فراولة. أغمض عينيه سريعا هم بأن يحطم أي شيء اخرج ورقة من جيبه،واخذ يقطع فيها بعصبيه،ثم ذراها في وجه النسيم....
السحاب قد أثقلته الغيوم،لمع برق قوي جدا..كان نذير ذلك الصوت المدوي من الرعد انسابت الأمطار،بدأت مثل دموع غزيرة ومندفعة،كأن السماء تبكي شيئاً ما.بينما البحر هادئ يبتلع كل ذلك التساقط وموجه مازال يثابر في مسيرته نحو الشاطئ و(محمد عبده) يتعالى صوته بالأماكن وهو يغني(كنت أظن وكنت أظن وخاب ظني).رأته يمسك رأسه بيديه وهو مغمض عينيه بدأ مثل لوحة بارعة وحزينة عنوانها الحيرة .
السماء و البحر يتناوبان وجع ما ।السحاب ينزف في صمت و البحر يستقبل كل ذلك الركام دون كلل أو ضجر ثم يفتح كل مكان فيه ليحتوي ما سقط من السماء.أذن السحاب على وشك أن يصير بحرا ولكن كان السحاب عذبا فرات والبحر كعادته ملح أجاج...مثل لحظة الحزن والفرح ينتابنا الفرح تسكرنا لحظاته نحس أن الحياة كلها هذه اللحظة،ثم يعاودنا الحزن يستنفر كل حواسنا مثل منبه ثم يوهمنا بان الفرح ما كان يوما.فتح عينيه وجدها غارقة في دموعها نظر إليها عميقا،لا يمكن أن تكون أحست بي هذه الدموع ربما أخذتها من دموعي تحسس وجهه كان جاف لا اثر لدموعه.همس بداخله(نعم هي من سرقت دموعي). منظر الميزان المختل صار أكثر حضورا كان يشبه إحساسه المتطرف دائما،الميزان كلمة سحرية لكن مادام مختلا فهو يشبه منبر الحاكم أيضا.
هو رغم كلماته اللاذعة التي يحدفها عليها كل حين إلا انه كان يكابر إحساسه بالراحة وهو على يقين من جلوسها بقربه.هي من فرط ما أحست به كانت تحاول أن تخرج منها أي دلالة لوم لكنها لم تستطع.
زخات المطر العالية والهواء العنيف جعلت التيار الكهربائي ينقطع بعد أن حدث تماس طفيف..خمدت الأضواء و صمت (محمد عبده) عم الظلام المكان...عمال هذه الصالة هو رأهم قد تحولوا إلى نحل حملت كل نحلة وردة من نور ووضعتها على كل طاولة لكن مازال البحر أعلى و السماء من تحته وكل الناس يزحفون برؤوسهم وأقدامهم تأرجحها الهاوية.
هي كانت تنظر اليه وضوء الشمعة المضطرب قد بعثر ملامح وجهه فبدا شكله غريبا، هو تأملها على ضوء الوردة،أحس بأنه لأول مرة يراها بطريقة صحيحة كانت كما هي،نظر خلفها كان ظلها يتمدد مخيفا،حاول أن يتجاهله حاول أن يركز فيها هي فقط، قالت
- خاصية الحزن البوح
نظر إليها أراد أن يرتمي على أمواجها أن يغسل كل ما يراه بدموعه حتى ينقشع عنه رمد الخيبة الذي يدعوه لان يرى كل شي فارغ ومزيف حتى نفسه أحيانا. نظر خلفها كان ظلها يتقافز مرعبا صاح فيه الظل (أنت مجنون.. مجنون)..قال لها بعنف
- اصمتي.. أخرجي الحقنة التي لونت بها الماء
فتحت حقيبتها أخرجت له وردتان حمراء وبيضاء،ثم خيرته بينهما،اختارهما الاثنتان. ذاكرته لفظت مشهد الميزان فاعتدل الكون . وطأت الأرجل الأرض وارتفعت الرؤوس عادت الأضواء وانقشعت السماء،البحر توشح ثوبه الأزرق الجميل. كل الناس مسالمون وطيبون،الخير خاصية الإنسان كما البوح غريزة الألم جملتها الصائبة، وجهها كان يشع ضياء،هاهو يمسكها من يدها ولكن دون أن ترتعش كفه،ليس هناك ما يزيف الرؤيا...يقودها ثم يسبحان بعيدا،هو يحيطها بحنانه وهي تزخرف له المكان بشهدها.الأمواج بدأ هديرها في ازدياد مثل أوبرا قوية وعالية فكانت السماء أكثر حماسا،وهما مغروسان على رمل الشاطئ مثل شجرتين.
تطلعت نحوه رأته شديد الوسامة بثياب بيضاء ناصعة جدا، شعره الأسود كان لامعا ومن ظهره امتد جناحان ضخمان بذات البياض،هكذا كانت تتخيل شكل الملائكة

آمنة عبدالله

إدمانُ الزِّيفْ
"في طقس الوطن القاسي حيث ما في القلب في القلب و كل الفصول جفاف، تفيض المشاعر ملء القلوب الخائفة دوماً، من جيشانٍ ما، تخرج الأحاسيس و الخواطر المخبَّأة عميقاً، يُفْضَحُ جُمود العيون والبسمات الكاذبة"
خَطَّتْ كلماتَها على عَجَلٍ، في لحظات مسروقة، ثم أَعادَتْ الدفتر لمكانه المعهود تحت فراشها– عادةٌ قديمةٌ تلك، من أيّام اختلاسها لكتب أخيها– ثم أَكْمَلتْ تنظيف الغرفة، وخرجتْ لتعدَّ طعام زوجها وأطفالها، في طريقها إلى المطبخ، تلقي نظرة على البرنده، غرفة الأطفال بابها مشرع، الحوش الواسع، الراكوبة، والعنقريب الموضوع بعنايه وسطها ،حيث وعندما يعود زوجها (علي) يستلقي عليه ليحكي لها احداث يومه الطويل وعيناه تراقبان من خلال الشباك الكبير انهماكها في المطبخ ،وتحاولان التقاط تعابير وجهها (اللطيف)عند كل كلمه أو تعليق , وهي في الجانب الاخر من الشباك تجوب المطبخ و تتسمع بانصات كلمات زوجها و قصصه،معلقة احيانا ،ومكتفيه بايماءه او ابتسامه مرات اخري ..او مقاطعة اياه عندما تقفز خاطرة ما الي ذاكرتها.
و بين المطبخ و الراكوبه وعلي ذات الشباك يجثم القط ،لطالما ظنت انه بستمع لاحاديثهما و ان له رأي ما فنظراته أحد من اللامبالاة و احيانا اكثر جيشانا من النيل في المقرن –حاملا للكثير.
والان وهي تعيد روتينها اليومي تكاد تنسي كم هو مميز هذا اليوم ،فاليوم سينشر اول مقال لها،ارسلته خفية باسم مستعار، خوفا من رد فعل (علي) فهي تعرف كم ينزعج من نقاشاتها السياسيه (كما يسميها).
تتلاطم افكارها و يداها تتحركان بدأب ،تقطع البصلات و اللحم ساحبة اياه من امام عينا القط الجاثم علي الشباك ،لم تكن قبلا من محبي القطط و خاصة بعد حديث خالتها بتول الدايه عن انها السبب في اجهاضات كثير من النساء ، لذلك عندما
أتي به طفلاها ذلك المساء في صندوق صغير ،غضبت كثيرا وامرتهما ان يعيداه لاصحابه ،و لكن بعد بكاء و نحيب استمر طوال الليل وبعد رجاء والدهم ،وافقت شرط ان يظل القط في الحوش،لكنها الان قد اعتادت نظراته الثاقبه ليل نهار ،كأنه يود مبادلتها الحديث ،احيانا يغضبها عندما يلح عليها لتلاعبه و يتمسح بارجلها بينما هي تعمل ، ولكن غالبا هو صديق لطيف مهذب يراقب بهدوء و يؤنس وحدة نهارها،تقرأ له بعض كتاباتها ،او تستشيره في امورها الشائكه،وكثيرا ما يستمر حوارهما الصامت ساعات طوال ،حتي ياتي ابناها فيركض لاستقبالهما .
احيانا تتسائل: كيف ينظر اليهم ؟ هل يحبهم ؟ ام انه يتصنع ذلك لانهم اصحاب نعمته؟!!
و لكن نظراته تخرسها دائما،"لا أظن أنه يتصنع ،و كيف لهكذا عينان ان تكذب!"
قطع أفكارها صوت الباب ،ثم أصوات الاقدام الراكضه للطفلين،قفز اثرها القط ليشتبك باقدامهما الصغيره ،تبسمت بعمق ،.فلازالت رؤيتهما تبعث فيها احاسيس دهشتها الاولي بهما.
و مع دخول (علي ) ناولها الكومه الكبيره من الجرائد التي يحملها "جبت كل جرايد المكتب ،قلت للمطبخ..صاح ؟ " قال علي
"طبعا،طبعا" ردت وهي تقلب بحثا عن مقالها ،و بعد لحظات انشرح وجهها وهي تقرأ العنوان "ادمان الزيف".
ثم تبسمت وهي تبادل قطها نظرته وتلمح شبح ابسامة بعيده علي فمه.
أو.......
ألتقط القط بسمتها و هم يقول:"...
الخرطوم
12/05/2008

عمر الحويج

رحلة عبد الشافي الأخيرة، إلى الداخل
كان ذلك، يوم احتجبت الشمس، قبل موعد غروبها المعتاد، فحجبت الرؤية، عن كل، الفضاءات الرحبة، والجميلة.
كان ذلك، يوم هبت، تلك العاصفة، الهوجاء، واللعينة، في غير موسمها، فتساقطت، كل الأشياء التي كانت مستقرة، بفعل: الجذور، والتماسك، والرضا.
كان ذلك، يوم، الكارثة الكبرى، في القرية، التي كانت، وادعة، قبلاً.
كان ذلك، يوم غرقت، مركب (الريس عبد الباقي ) فانكفأ، كل من فيها، وما بها، وما عليها لتبتلعه إلى حين، مياه النهر، الغاضبة، على غير عادتها.
حينها، تمكن، عبد الشافي، وحده من انتزاع العدد الأكبر، من بين براثين الموج المتلاطم، أما البقية، فقد انتشلهم، الآخرون، الآتين، من كل فج: أتت بهم، صيحة الخطر، التي أطلقها، عبد الشافي وردد صداها، الجبل الرابض، بمحاذاة الشط، يؤدي فعله الأزلي، في حراسة: النهر، والناس، والحياة.
يومها، خرج الكل، إلى الشاطىء، بضفتيه، سالماً ما عدا، آه، ما عداه " الريس عبد الشافي "، هو وحده الذي لم يعد، إلى الشاطىء، بأي من ضفتيه: سالماً، أو، غير سالم.
رآه الجميع، بأعين، عليها غشاوة، وهو يسبح، عائداً إلى مركبه:
تيقن بعضهم، أنه ذهب، ليعود ببقرته، الأثيرة، لديه التي كانت، تسبح بجانبه، وهى مربوطة، على حافة المركب.
وحسبه آخرون، أنه يود أن يلقي، النظرة الأخيرة على مركبه الغارق، حتى القاع، في مياه النهر، الغاضبة، على غير عادتها.
" يا، عبد، الشافي ": الصيحة الخطر، أطلقها، بعض الذين، لا يزال في رئاتهم، نفس، برغم ما في عيونهم من غشاوة. " يا، عبد، الشافي " الصيحة الخطر، الصوت والصدى: رددها، الجبل الرابض في حواسة النهر، والناس، والحياة.
"يا، عبد، الشافي،": الصيحة، الصدى: وأنت، تصارع أمواجك، يا عبد الشافي، ما زال، يخترق أذنيك، الصوت الأعلى والأقوى، أنك تستطيع أن تميزه، من بين جميع الأصوات. أنه صوت (حماد الطريفي )، صديقك، الأقرب والحميم لآخر المدى، صديقك الذي أعطيته، كل عقلك، وأن لم تعطه إلا نصف، قلبك.
تلعبون، كنتم، شليل وين راح، ختفو التمساح، حين جاءتكم، الصيحة: دائماً، تلك التي يردد صداها الجبل، هي، الصيحة الخطر يا، عبد الشافي، أبوك راح، أبوك، ختفو التمساح،: أصل الحكاية بين عائلتنا، والتمساح، بدأت مع جدى، يومها، قال بعضهم أنهم، رأوه، بأم أعينهم، حين تمكن، منه التمساح، إستل جدي، سكنيه من زراعه، وبأعصاب هادئة، وباردة: أضافوا، غرز جدى، السكين في عين التمساح: وآخرون، قالوا ـ وهذه الرواية، هي التي أصبحت متواترة ـ أنهم، سمعوا، بآذانهم التي حتماً مصيرها، الدود، أن جدى، تحادث: حديثاً طويلاًُ ومتبادلاً، وليس هامساً، ولا منفرداً، مع التمساح، وربما كان أيضاً، مشوقاً، فقد رأوا جدى، مبتهجاً، يلوح بكلتا يديه، مصوباً بصره نحو صفحة الميياه، التي بانت صفحتين، بفعل إنسراب التمساح على سطحها، وأبوك، يا عبد الشافي، أخيراً، تمكن منه التمساح: ضاع أبوك، يا عبد الشافي، وضاعت معه، أحلامك، وأحلامكم، الطفلة، أنت وصديقك ـ من وقتها ـ حماد الطريفي، حين قرر الكبار، أن تركب النهر، سيراً على النهج، والتوارث والتراث: كما قرر الكبار، أن حماد الطريفي، هو خير معين لك، في هذا المجال، وهكذا ركبتما، النهر، سوياً.
(يا، عبد، الشافي ): الصيحة: الصوت: أنت، خير، من يعرف يا عبد الشافي: كنا، دائماً، لا تنتظر الغريف، لأكثر من أسبوع حتى يكون، انقضى شأنه، ووارى الثرى، جثمانه، أما، أنت يا عبد الشافي، ها قد فات زمان، والناس تنتظر:
على الضفتين، والناس تنتظر
على امتداد النهر، والناس تنتظر
على أحر من الجمر، والناس تنتظر
وأنت يا عبد الشافي، حتى الآن، لا أثر لك، ولا بقرتك الأثيرة، لديك. ومركبك، متشبثة بقاع النهر، ما زالت. وما زالت الناس، تنتظر. من أين، انشقت هذه الأرض، وجاءت بكل هؤلاء الناس، يا عبد الشافي ؟؟، منذ متى، عرفك، كل هؤلاء الناس يا عبد الشافي ؟؟، سألتك، عشرات المرات، وأنت تلتقي، هؤلاء الناس: أيام الأسواق، تلتقيهم، أيام الأعياد، تلتقيهم، أيام الأحزان، تلتقيهم، هم غرباء، عنا، ولكن، يعرفونك. أنت، وحدك، وبقرتك الأثيرة، لديك، يعرفونك. حتى أنهم، يسألون عنها، إذا، أنت بدونها، التقيتهم، لم تكن تجيبني، أبداً، لم تكن تجيبني، يا عبد الشافي، ولكني كنت أعرف، كنت أعرف:
حين، كنت تأخذ، بقرتك الأثيرة، لديك، والناس نيام.
تخرجان معاً، والناس نيام.
تركبان النهر مرة، وتسبحان مرات، والناس نيام.
تعودان معاً، قرب آذان الفجر، والناس نيام.
تجلس منزوياً، بقربها، والناس نيام.
تنظر إليك، وتنظر إليها، والناس نيام.
تبكيان معاً، والناس نيام.
تتحاوران معاً، والناس نيام، والناس نيام، والناس نيام.
(يا عبد الشافي ): الصيحة، الصدى: ما زال، صوت صديقك، حماد الطريفي، في أذنيك، وأنت، لم تصل بقرتك الأثيرة لديك، بعد، ما زالت، تصارع الأمواج، ولم تصل الأعماق، بعد، حماد الطريفي، أسمع، أو لا تسمع، صديقي: أعطيتك، قبلاً، كل عقلي، فخذ أخيراً، والآن، كل قلبي: كنت تعرف، كنت لا تعرف، تعرف، لا تعرف:
كنا نخرج معاً، والناس نيام.
خلف الجبل، نجوب القرى والبلدان، والناس نيام.
تسائل: الأنس والجن والطير والحيوان، والناس نيام.
يأتيني: الصوت، والصدى، والهاجس، والناس نيام.
جدى قال لأبي، دون أن تعرف، جدتي، والناس نيام.
أتوا، بنا، وكنا اثنين والبقرة، ( تفرقنا )، والناس نيام.
يأتيني: الصوت، والصدى، والهاجس، والناس نيام.
يقول لأبي، والناس نيام.
"إن أباك، استولدك، من "،. "، والناس نيام.
يأتيني: الصوت، والصدى، والهاجس، والناس نيام।
" يا، عبد، الشافي ": الصيحة، الصوت: فات زمان، طويل، يا عبد الشافي، ولم تعد الناس، تنتظر.
على الضفتين: و، لم تعد الناس، تنتظر.
على امتداد النهر: و.. لم تعد الناس، تنتظر
على أحر من الجمر:، لم تعد الناس، تنتظر
وأنا ما زلت أعاود السؤال، لماذا لم تتزوج ؟، يا عبد الشافي: يقولون جدك، انفسخ، عقد زواجه، في ليلته الأولى، وأنت، يا عبد الشافي، لم تتزوج بعد. قال جدك للعجوز المسن، لن أفسخه، يفسخ جلدك، وأنا، يا عبد الشافي، كنت أحسدك، حين اختلس النظر، إلى الجميلات، عندنا، وأراهن، يختلسن النظر إليك، وقتها، ومع اندهاش الحاضرين، وانبهارهم، انفسخ جلد، العجوز المسن، عن آخره، وأنت، يا عبد الشافي، لم تجبني، أبداً. وأنا، كنت أخاف، علينا، من هذا اليوم، الأسود، يا عبد الشافي: يقولون، لم يسترجع، العجوز المسن، جلده إلا بعد أن، تنازل جدك، طائعاً مختاراً، وفسخ العقد، حين، الدقات الأولى، للدلوكة في، أفراحنا، يا عبد الشافي، والجميلات عندنا، يختلسن النظر إليك، وأنا، اختلس النظر إليهن، يبدأ، يأخذك الاستغراق كعادتك، يبدأ، بالرعشة الأولى، في الأطراف، تتصاعد فيك مع دقات الدلوكة، المتصاعدة: وفسخ جدك العقد، إكراماً، قال للحاضرين، والتسامح، وأنا كنت أريد لك، أن تسقى، بمائك أرضك، كما فعل، الأسلاف، أبوك و، لتستقر بفعلك: الجذور والتماسك والرضا، وجدك قالوا، في ليلته تلك، ركب النهر، واختفى أيام، أو أعوام، لا أحد يذكر، ثم عاد، ومعه جدتك، والرعشة في جسدك، لا يوقفها، إلا زغاريد الجميلات عندنا، مع فتح الباب، لتحية العريس، من الآخرين، ومنك، أنت تحية النزيف، ليس إلا، والناس لا يعرفون، وعلى ظهرك، السياط، والأصوات، والهواجس، وأنت، يا عبد الشافي، كالجبل عندنا، لا يزيد منك، غير الصدى، صدى السياط: والأصوات، والهواجس، والناس لا يعرفون، والجميلات، ما زلن يختلسن النظر إليك، وأنت لا تجيبني، يا عبد الشافي، وأسعد صباحاتك، تلك التي تعقب، ليالى الفرح، وظهرك النازف، دماً، وأنت، تستعذب طعم الدم. تستعذب طعم الدم، تستعذب طعم الدم، في جسدك.
" يا، عبد الشافي ": الصيحة، الصوت: وأنت، ما زلت تصارع أمواجك، يا عبد الشافي، يأتيك من البعيد، هذه المرة: الصوت، والصدى، والهاجس، ظللت، طول عمرك الأخير، منه تبحث عن شيء، لا تعرفه. ولن تجده. بحثت عنه:
خلف الجبل، وأنت، لا تعرفه، ولن تجده.
ما وراء النهر، وأنت لا تعرفه، ولن تجده.
جبت القرى والبلدان، وانت، لا تعرفه، ولن تجده.
سألت، الأنس والجن والطير والحيوان، وأنت لا تعرفه، ولن تجده.
استعذبت طعم الدم، وأنت لا تعرفه، ولن تجده.
فجرب يا عبد الشافي، أن تختار، صارع أموادجك كي تختار، وهناك، عسى أن تعرف، مالا تعرفه، وما تبحث عنه، تجده.
" يا عبد، الشافي ": الصيحة، الصدى: فأت زمان، وأطول، والناس، لم تعد، تنتظر:
على الضفتين، والناس، لم تعد تنتظر
على امتداد النهر، والناس، لم تعد، تنتظر
وأنا، يا عبد الشافي، سأظل، انتظر، تأتي أو لا تأتي، سأظل، انتظر برغم حكاوى، الناس. سأظل انتظر.
جاء بعضهم، إلينا من البعيد، وقالوا، إنهم رأوك: وقد استبدلت السكين في زراعك، بالأقوى، والأسرع، على كتفك. بل تجرأوا، وزعموا، أنك أصبت بعضهم، وأخطأت آخرين، وأنا سأظل، انتظر.
وجاء غيرهم، وادعو، أنك: أصبحت، عائلات بلا عدد، وبقرتك الأثيرة، لديك، ملأت الأرض، قالوا. ولم تعد، في حاجة، لأن تجوب بها، القرى والبلدان، وأنا سأظل، انتظر.
وقال، بعض الذين، كانوا هناك، يوم الكارثة الكبرى، أنه لابد، أن تكون، قد التهمتك، وبقرتك الأثيرة، لديك، اسماك النهر، والتمساح، في ليلتك تلك، المشئومة، وأنا سأظل، انتظر، تأتي أو لا تأتي سأظل انتظر.
" يا، عبد، الشافي ": الصيحة، الصدى: صارع أمواجك، صارع أمواجك، ها أنت، الآن قد وصلت إلى الأعماق، فلتبدأ، يا عبد الشافي، رحلتك الأخيرة إلى، الداخل

سارة شرف الدين


ألوان طيف وقصص أخرى
ألوان طيف على مآقي الخالةابتدات كراهيتي لخالتي الهيفاء خمرية اللون فاتنة الابتسامه مجدولة الضفائر منذ سنوات عمري الاولى تحديدا عندما اخبرتني عمتي انها زغردت بصوت مرتفع واحتضنت امي عندما جاء خالي الصغير راكضا ليعلن وفاة والدي !لم استوعب الموقف جيدا كيف يموت ابي وتفرح خالتي وتبكي امي في صمت دون ان تزجرها .. صحيح ان والدي كان طليقها الا انه يظل والدي .. اخبرتني عمتي بذلك عندما كنت في الصف الاول الابتدائي ومن يومها وانا اكرهها لم يشفع لها عندي انها كانت تحبني بجنون وهي اول من حملني بين ذراعيه حين ولدت وكثيرا مامررت بها دون القاء التحيه فتهز راسها وتلمع دموع خفية داخل عيونها تنعكس مع طيف الشمس لتشكل الوان سرعان ما انسحب فبل هطولها وحتى بعد ان بلغت عمر الرجال لم تتغير نظرتها الملونه لي فكثيرا ما ممرت بها في طريقي من بيت امي التي تزوجت من كبير التجار الى الجامع مرتديا جلبابا ناصعا فتتبعي بعين دامعه وهي تردد اذكار الحفظ وتمائم العين والحسد الى ان اغيب عن عيونها .ربما لم اعرف كم كنت قاسيا معها الا بعد ان كثر جلوسي مع الصبيه من حولي وسمعت الكثير عن قسوة ابي وطلاقه لامي من اجل الزواج بصديقة العمه الثريه وسرعان ماهدد امي باخذي عندما سمع برغبة كبير التجار بها كزوجه .. لذا زغردت خالتي واحتضنت امي عند وفاة ابي .. شعرت برغبة قويه في ضمها فاتجهت مع بزوغ الشمس نحو بيتها كنت اعرف انها في هذا الوقت تكون مع عنزاتها لجلب الحليب .. توقفت خلفها ارقب الشيب الذي بدا يغزو جدائلها الحالكه التفتت نحوي في بطء لتواجهني بعيون انعكست داخلها الشمس مكونه اطياف لم اهرب قبل هطولها بل شاركها بعيون افتقدت كثيرا حضنها ورائحتها .
نظرات متقاطعةاغلق باب الخزنه الضخمة بعد ان سوى من وضع الرزم المالية فتة الخمسين جنيه بحرص وعنايه قبل ان يجلس خلف الطاولة الممتلئة بلفائف الاقمشة ويزفر في ضيق وهو يراقبه في غيظ وضيق ..جلس على الارض امام دكان الاقمشه الفاخرة في احدى برندات السوق العربي مرتديا جلبابا بات من الصعب التعرف على ملامحة ولا التكهن بلونه واضعا امامه اناء بلاستيكي غامق اللون وترنوعيونه نحو المارة بنظرة كسيره ويتحرك لسانة داخل فم يخلو من الاسنان وربما كانت هذه النظرة السبب في القاءهم العملات المعدنية داخل اناءه -جلللن جللن ومن داخل دكانه راقبة في غيظ الاناء يمتلىء بالقروش ويفرغه هو داخل جيوبه ..هكذا بلا تعب ويسترزق من امام دكاني بلا شيكات ولا هموم جللن جللن جعلة الصوت يقفز ويدفع اواني امتلات باللحوم وصرخ في وجهه -يلا برة الصالة زح من قدام دكاني راقبه المارة وعمال الدكان وهويعود ليسترخي ونهض هو ليجلس تحت الشمس ولفرحته الشديدة ازدادت القروش وتحولت الى جنيهات والاخر يهدر كان هو لايرى ابعد من صحنه لضعف بصرة والاخر فسرها على انها نظرات تحدي كان لايبعد نظرة عنه الا في المسافة مابين خزنته والعودة الى طاولته ليصفق يد بيد ويدعو عليه بالزوال وكان هو يتساءال رائحته ام مرضه سبب كراهية الاخر وتاففه فيجول ببصرة حول الصالة التى حرم منها قبل ان يعاود السؤال بصوت يجعل القروش تنهال عليه بصوت يسبب للاخر الجنون - جللن جللن
صراع ابوةصوت طقطقة الشباك اطار اخر محاولة خائبة من عينيه للنوم ..انين زوجته المتالمة ونوم اطفالة بمعدة خاوبة بعد فاصل بكاء طويل بدا مرتفعا ثم لم يلبث ان صار متقطعا قبل ان يخبو كنيران اشتعلت قبل ان تعدمها رشقات ماء متواصلة .. مذا جرى ؟ هل ترك الناس الافراح والليلي الملاح ؟ كان يجد في الولائم التي تقام من فتة لاخرى مورد رزق كاف وفاخر لابنائه .. يتسلل في خفه قبل ان يبدا في جمع الصحون الفارغه من تحت اقدام الناس ..هي اشبه بالتسول لنها انظف قليلا .. هو يفضل الاحياء الفارهه والنوادي حيث العيون ممتلئه ولا رغبة للكثيرين في في محتويلته فغالبا ماتؤكل الزيتونه او شريحة البطاط وخلفت اللحوم بائرة عكس الاحياء الشعبية التي تكن فارغه الا من بقايا ..مضت فترة منذ اقيم حفل ليسترزق منه ..نهض خارجا لينسم بجانب حائط المنزل المهترىء فاغراه الجو بالخروج وجد اقدامه اوصلته الى حي مجاور تقف امامه سيارات فارهه نظر الى مقلب القمامه طويلا قبل ان يقترب مه ويبحث وجد يس كامل به خبز ! اي يد بطره القت به هنا وفجاه احس بد تخطتفه منه وجدها كلبه ضامرة اشتبك معا في معركة ضاريه كان يكافح لانقاذ عشاء اطفالة خنقها حتى ماتت وعندها فقط انتبه الى الجراء الاربعه التي كانت ترتجف وقف جامدا ينقل بصره بين الام والجراء قبل ان يتحرك .. سقط باب الصفيح عندما دخل المنزل خرجت زوجته فزعه لتجد اربعه جراء ياكلون في كيس الخبز الذي بجانبه

سعد الدين عثمان العوض

أم دلدلو
في العصاري... هو الوقت الوحيد الذي تستطيع فيه تلك العصافير محادثتي .. برغم وجود رفيقي.... حيث اتاني كالعادة حاملا كيسه الملئ بالحصي ذي الألوان الجميلة .. نستطيع التخاطب ومعرفة اسرار الكون ...بلغة لا يفهمها سوانا ..أنا و تلك العصافير الصفراء الجميلة.
دائما عند حضوري للقرية ما يأتيني رفيقي هذا.. حتي أنني في هذه المرة كنت حادا في خطابي له ... بنسيان هذا الوهم .. و الالتفات لأمور اكثر جدية واهمية تنبني عليها حياة و معيشة اطفاله الكثر و زوجته الطيبة.
ام دلدلو .. كانتا عصفورتين جميلتين,, تماما في حجم (ود ابرق) .... التي في إتجاه الغرب ... ناحية البحر كانت تعمل علي فك العش... بعد أن استطاع صغيرها و الذي صار كبيرا.. استطاع الطيران و مضيه الي حال سبيله ...اظنها عملية شاقة فعلا.. وحتي الآن وعلي كثرة أسئلتي لم أستدرك حكمتها في رفضها لاستبقاء العش مكانه ..حيث هنالك كمية كبيرة من الاعشاش ملقاة علي الارض دون أن يستفاد منها .. أو حتي هي عليها العمل في بناء عش جديد لصغير قادم ..اقول رفضها لانه من الجائز تماما أن تسخدمه أخري ,,,هل هي رسالة تبعثها للغير في حب العمل و التفاني من أجل صغارهن .. فربما لو اصابتها بعض الشفقة كان عليها ان تعطف مجددا في بحث الغذاء .. و المشاركة في تربية الصغار... كنت كلما احضر الي القرية احب الذهاب الي التحتانية ..حيث الحواشات ... وبالتحديد الي تلك النخلات الثلاثة الملتصقة الي بعضها ... حيث تستلقي تحتها وفي مساحة كبيرة الأرض الخاصة بأبي وأعمامي ... ومساحات لا تحد تتجه جنوبا و شمالا .. جزء تكسوه ملامح البصل الخضراء .. اجزاء تمتلئ بربطات الفول المصري الكثيرة في انتظار الدقاقة ...كانت ايام حصاد الفول.. و الي الشرق مساحة كبيرة ... يكسوها البوار ... هذا هو العام الثالث .. لم تجد من يرأف عليها بجدع بعض التيراب .. فول او قمح او حتي شتل القليل من البرسيم ... كانت لابناء جدتي .. رفيقي الذي في معيتي الآن ... باعها هو وأخوته .. بعد أن وعدهم فكي من المناطق غير المجاورة بذهب كثير نظير هذه البيعة... يقال أن الشاري هو من دبر كل هذا.. و لأنه من الذين استوطنوا مؤخرا هو وأهله ... منذ عشرون عاما تقريبا.. استنكر له جميع اهل قريتنا في هذه البيعة واتهموه بالتزوير ... الا أن الأجاويد استطاعوا اقناعهم بتقاسم المساحة درءا للمشاكل وحفاظا علي مشاعر الاخوة والعشرة .. كان هذا بعد بداية الموسم الحالي ...
هنا في الظل.. للحديث... او العزلة... طعم برائحة الأصالة ... الإنتماء ... و الشوق الي الأهل وما يحملونه من ود والفة جميلة ..... الأخري و التي كانت الي الشرق في ذات النخلة في إتجاه البيوتات الكثيرة.... القرية المرتفعة ,,, كانت قد بدأت في انشاء العش منذ فترة قريبة و ما زال أمامها شهور حتي تنتهي ... نعم كانت هناك مجموعات أخري وفي مراحل مختلفة .. منهم من كانت تحضر الغذاء الي صغيرها والبعض يذهب ويجئ ... ولكن هاتين العصفورتين لهما شأن خاص...
استخدمت عقلي في إستنتاج شئ واحد مما رأيته في صناعة ذلك العش .. الشبيه بحذاء الطفل الصغير .. فدائما ما تكون فتحته الوحيدة والتي من خلالها تواصل الأم صغيرها لتغذيته والأطمئنان عليه .. دائما ماتكون لأسفل ..اتقاء حرارة الشمس وزخات المطر.. اما وجوده في طرف الجريد البعيدة عن مركز النخلة .. علمت ان ذلك يكون وقاية وابعادا لها من الافاعي وما شابه ..... حتي في كمية الأعشاش الكثيرة الملقاة علي الأرض .. تجد نفس الحجم تقريبا .. ونفس التصميم
عصفورة الغرب ...ما زلت ابدي لها تعجبي من صبرها و قدرتها الفائقة علي صناعة تلك الأعشاش .. وحكمتها .. حادثتني بصوت رزين .. وهادئ.. بعد أن استطاعت أن تجذبني كلية .. ونسيان ثرثرة رفيقي..
- كنت استمتع اينما استمتاع وأنا اشاهد قريتكم من هذا المكان العالي ... في ذلك الزمان كنت استطيع رؤية ابتسامتها الطيبة ..فقد كانت ملامح وجنتيها المنشرحتين بارزة للعيان... كما كان علي أن ارتفع ببصري لمشاهدة عينيها الواضحتين ..كانت ثمة صلة بين تلك الأرض الممتدة امام ناظريك و بين ضحكة الحبوبات داخل البيوت ولعب الاطفال في الشوارع.. وفي مزح الرجال وقهقاتهم التي تملأ المكان ..الأمهات يجئن اليها حاملات للغناء و المناكفات الجميلة .. حتي علي كبرهن قليلا كن يحببن القفز و الجري وراء بعضهن .. كانت هي تبتسم لتعطيهن ما فاض منها من بطاطس وفول و رجلة و طماطم .. مكافأة لهن علي ما زرعنه من بهجة ورقة في المكان ... حتي انني اتذكر كيف كانت الاشجار الكثيفة تعمل علي حماية القرية من ريح الشمال العاتية.. الخير الوفير والتي كانت تنتجه تلك الأرض جعلني أشاهد اجمل قرية في العالم .. وأنا التي شاهدت ما شاهدت في هذا العالم علي اتساعه .. حكماء القرية .. أذكر ملامحهم الوضاءة جيدا.. وأبدا حتي هذه اللحظة لم يفتروا من نصحكم .. جلسوا كثيرا مع شباب القرية وشيبها..وحتي النساء كانوا يحضرون مجمعهم .. كانوا يعلمون جيدا بالغريب القادم كانوا يعرفون تماما مدي جشعه و حبه للمال..لم تخدعهم كلماته البراقة المليئة بالحب و الإلفة .. اكثروا من التنبيه وضرورة المحافظة علي الأرض .. و علي نقاء الإنسان .. قالوا كثيرا .. ولم يعيهم الحديث .. لم يجدوا منصتا او مهتما.. ولكن عليك أن تخبرني لماذا تصبحون أغبياء الي هذه الدرجة... الطيبة الساذجة أخذت منكم كل شئ .. كنتم تحبون هذه الارض حتي الموت ... و الآن صرتم كالضيوف عليها... الغريب دخل عليكم من باب المحبة و اللطف .. ولأنه أول غريب قد جاءكم ..لم تكونوا تعرفون كيف يختيئ الشر .. و الظلم ...الآن و بعد أن اعيتكم الجوادات و الاسترحامات و الدعوة الي الرأفة ... لم يتبقي لكم الا...
ولكن رفيقي لم يتركني في شأني ... إصراره يزداد سوءا .. فكلما تأتيه أدلتي الدامغة ببطلان زعمه .. يقول بأن الناس لا يعرفون شئ بتاتا ..لذا هم ليس من اصحاب الشأن حتي يخبروه بأن ما يحمله ليس الا حصي .. واصحاب الشأن الزائرون او ممن ذهب اليهم حاملا كيسه .. يجعل من الذي يخبره فشل مزاعمه جاهلا.. لم يتعلم جيدا.. بعضهم و خوفا علي مشاعره تجاوب معه واخبره بأنه يستطيع اجراء بعض الاختبارات و التي حتما ستحمل له أخبارا سعيدة.. ستجعل منه من أغني اغنياء العالم .... هذا ما يحمله بداخل هذا الكيس .. آمال عراض .. و مستقبل سعيد له و لزوجته الصبورة وأولاده .. وللبلدة بأجمعها .. زراعة الأرض كانت قد اثقلت كاهله .. واستحال عليه الاستمرار في تكاليف الزراعة الباهظة .. اعطاها لمستثمر من خارج القرية .. ولكن دائما ما كان نصيبه يأتي قليلا جدا نهاية الموسم ...اجتزأ منها مساحة صغيرة ليزرع عليها بعض الخضروات من بطاطس و رجلة وغيرها.. الأ انه و في احد المرات و اثناء حرثه عثر علي حصي لونه اكثر بياضا و اكثر لمعانا .. مثل الذهب .. في البداية شكك في كلام بعضهم.. المهظارين من ابناء القرية.. أخبروه بأن هذا لا يمكن الا أن يكون شيئا ثمينا.. المستثمر الغريب استغل هذه الفكرة و هو يدري تماما مدي يأس هذا الرجل و ضعفه .. لذا كان قد حرض بعضا من ابناءه ليدعموا هذه الفكرة في رأسه الصغيرة.. واستعان بفكي من خارج القرية .. و قليلا قليلا استطاع أن يشتري منه جميع ارضه ليتمكن رفيقي الساذج من دفع مطالب الفكي .. كل المساحة و حتي المال المدفوع كان من نصيب الغريب .. وأنا مازلت احلم بلحظة قد تكون جيدة أن استطعت اقناعه بنسيان هذا الوهم .. وبأن كل شئ لم يكن سوي خدعة كبيرة انطلت عليه .. و لكن هيهات ..
عصفورة الشرق .. الآن فقط صارت تتحدث..
- لم اعرف حظا أسوأ من هذا ..فأنا دائما أحب الاستمتاع بالأشياء الجميلة .. و لكن كأنه كل شناعة العالم قد جاءوا بها امامي ..كي تكون رفيقتي.. حتي انني اتهم تلك التي قد حادثتك منذ قليل بالكذب و الخرف.. و الخيال الجامح .. حتي أنت تهذي في محاولات فاشلة ..لأن الذي اراه أمامي ليس سوي مكان مقفر .. داخل البيوت أري احد الامهات النحيلة .. يئن اطفالها من الجوع .. وهي عائدة بطبق فيه القليل من الزاد .. بعد أن تسولت جاراتها الأكثر فقرا ... وحتي حكماؤكم ها هم يجلسون للمرة الخامسة .. و لكنني أري مجلسهم تغشاه الكثير من الضبابية .. و بعضا منهم لا أري عليه غير السواد .. يجلسون حول ضوء خافت للغاية و قد صار حديثهم همسا.. رغما عن هذا ربما قد يكونون الوحيدين الذين سيفعلون شيئا اقرب للمعجزة من أجل هذه الأم .. و لكنني أري من الاستحالة ايقاف هذا المجنون القادم للقرية و من خلفة تلك الكلاب التي تتسلي بالجري خلفه.
الخرطوم- اكتمل في 8-4-2008

محمد حمد محمود

ورقة التوت والطريق الآبق
1- الطريق الآبق
اعتصرُ ذاكرتي كقميصي المُبتل في محاولةِ التذُكُر سهام’ سناء، ربما سهي .
الذاكره تمور كحفل صاخب الملامح تتحقق بصعوب انت نفسك من وجودك فيه ، امدُ يدي ونصِف ضحكة لتمرير حرف السين مضغوطاً مع حروفٍ مبهمه مُراعياً متوسط المخارج الثلاثة لإيهامها لكِنها ضبطت اوراق الغِش في صوتي’ تهزُ راسها لتطلي وجهي بنظره لومٍ مرح وتنتظر إسمها كأنه وديعه .
مضي نصف زمن صمتي علي اسئلتها الاجباريه ورغم إستدراجها لذاكرتي بزمان واحداث مواربه تتعمد إخفاء عنصر المكان الي ان يئس وقوفي نصبت مفرده كسلا بصوتٍ خفيض كخيام "الرشايده" وباحرفٍ متباعده الاوتاد . مقلتيها تبرق ونيرونات دماغي تضاء خليه إثر أخري... نعم؛؛ هي من قطع إتكاءتي في صخرة رحيمة تعلو جبل التاكا أنظرُ شفقاً ذهبياً متدرج الالوان خلف دوائر بخور "الجاولي" المعد مع طقوسِ القهوه عندما كانت الشمسُ الفاتره تفاحة السماء تغوي بها اديم الارض ، يدي بها سجارة رخيصه يعانق دخانها دخان البخور في رقصةٍ بذيئه ويذهبا جفاءاً وتبقى نكهه البن العتيقه تتسكع بداخلي .
ـ " لو سمحت ممكن تصورنا "
ـ جداً ، نطقتها بتكاسل احتجاجاً علي اقتحامها هدوئي، كانت مع عريس وعروس متواضعه الجمال تراصوا ثلاثتهم بإبتسامات مؤقته تخصُ التصوير بعد ان أخذت لقطتين صورة خلفيتها سلسله الجبال والاخري مقهي أعدت الكاميرا ، ذهب العروسان لامر ما وقفنا نتفتعل الاحاديث كما يتحدث الناس في حلبه الرقص بين أغنيه واخري لوقوفهم بدون مهام اولتبرير عدم إجادهم للرقص.
- إنت من هنا ولا ضيف
- انا ضيف
- وين نازل هنا
- نازل هنا في الجبل ده
- ضَحِكت.... طيب جاي كسلا هنا عشان شنو
ذهبت بالحوار حيث لاأرغب فقلت علي الفور لستُ ادري وأضفتُ انا هكذا كعاده الطريق والنفس الاماره بالسفر امضي مايوقفني هوثمن تذكره لمكان لم أزره مسبقاً، قالت بإندهاش اين تقضي الليل قلت لا ادري ولا افكر في ذلك لأن اي خطط مسبقه في سفر كهذا تفقده روح المغامرة ، دعتني للمبيت في منزلهم علي إستحياء اوكمقترح لايرجي تنفيذه ، إعتذرت بإن لي أصدقاءٌ كثر ولكني لا اقصدهم انا هنا متبتلٌ لوجه السفر واحبُ اكتشاف الأمكنه لوحدي . إتهمتي بالجنون ورددت التهمه بأن عيونها نهر من القهوة تبادلنا التهم وارقام الهواتف وذهبت جهه العروسين وغابوا في هاويه الليل ، رجعت لصخرتي محاولاَ إستعادة هدوئي الداخلي اشعلتُ سِجاره اخري وطلبت قهوه
وبداء الناس ينزلون عبر المدرج الصخري الي كل فج عميق ، مكثتُ حتي توحدتُ مع الليل والصمت والجبال داعبتُ نفسي احياناً أحس بشموخي فوق الجبل واحيانا ضآلتي بين الصخور، نويتُ المبيت في الاعالي لولا فراغ معدتي اجبرني علي النزول درج عن درج .
إنتظرت في المحطه قليلاً وركبت دون سؤال فالحافلات لامصب لها غير السوق وإن كان لها خيار اخر فليس لدي ما اخسره.
جلستُ بقهوه (الرياضين) سمعت بها من قبل عند اصدقائي فغادرتها الي قهوه (باكاش) خوفاً من ملاقاة احدهم ثم الي (ام الحفر) لنفس الاسباب فكرت بالرجوع للجبال عدلتها بالذهاب والنوم في منصف طريق نهر القاش الموسمي اسفل الكوبري إتقاءاً لسياط شمس غدٍ، وضعت حقيبتي الزاهده تحت راسي حقيبه بها قميص وبنطال نصف نظيف ونصف زجاجه وديوان غرفه بملايين الجدران لمحمد الماغوط ثملت حتي غصت داخل الرمل وتلاشيت فتحتُ عيناي بماتبقي فيها من كوابيس مزعجه وشخوص متداخله لم ازل مستلقي والكحول كرواسب كربونيه بجدار معدتي، أعدتُ ترتيب حقيبتي وغادرت ماشياً صادفتي حدائق اكتشفت فيما بعد انها السواقي الجنوبيبه دلفت وقمت بمايشبه الاستحمام في خرطوم بلاستيكي عريض مربوط في مضخه البئر قطفت برتقاله اذابت الجدار الكربوني قليلاً.
تجولت بحثا عن قدِاحه لم اجدها ، في الشارع الموزاي للحدائق وقفت بجانبي عربه بوكس مغتظه تبينت من صمتهم وعدم تجانسهم انها للركاب فركبتها لتوزع ارتجاجها عبر طرق ترابيه الي خارج كسلا قري "تاجوج" و"ادم بشاره" و"اللفه" وعلمت ان مدينه " تسني" الأرتريه اقرب من كسلا تحسست جزلاني وحسرتي ورجعت السوق في الثالثة عصراً وقت وجبه -السلات-لحمه مطهوه بالنار والحجاره, اثناءالاكل اهتز هاتفي لمرتين لم اكترث حتي لرويه رقم المتصل لحرصي علي طقوس الرحله لااريد عناصر خارجيه تفسد عالمي اخرجته لاغلقه فاهتز مره ثالثه انها نحله الجبال كما دونها في سجل هاتفي تسأل لترضي فضولها فارضيت غموضي . لتحديد لقاء مع النساء يمكنك مقايضه شهر كامل بساعه غموض .
صعدت المدرج متجاهلا تأخرها فالإنتظار رهان النساء لتكثيف الترقب بداخلك ، تسكعت بين صخور منقوش عليها تذكارات من فلان وعلان في يوم كذا اخترت صخره بعيده لكتابه تذكار احسست بالسذاجه واكتفيت بالتبول خلفها ..
اشرت بيدي لتنبيهها بمكاني ولتنظيف الفراغ لإبتسامتها ، انتقت جلسه من يريد مشاهده فلم معقد الاخراج طلبت عصير مانجو متبوعاً بقهوه كامله الطقوس ، بادرت بتعريف نفسها بانها ..... -لم اتذكر-،تسكن بحي الختميه القديمه واضافت بقليل من الزهو انها تدرس بكليه الاداب بجامعه الخرطوم ولم اقل انا بالهندسه لتجنب الاسئله .
- انت اصلا من وين
- انا اصلا اجزاء موزعة علي مدن وقري بعيده
- حتكتمل متين
- عندما تذبل شهوه السفر المتقده عندها اكتمل
- انت فيلسوف ولاشنو
- انا لم اكتمل بعد لاكون فيلسوفاً
الحوار يتوغل عميقاً ونبرات الصوت تنخفض مع نزول الشمس لآخر خيط ضوء هامس اختلط بانفاسٍ حاميه .
اصرت علي أن أشرب من عين ماء توتيل لارجع مره اخري كما تقول اسطورتهم ، شربت وفي بالي الحقيقه فاغاني البجا عميقه الشجو تذيب الصخور لتتجمع تحت توتيل لذا سارتوي بالمكان لابالماء .
ارتدت السوق لمقايضه هاتفي بثمن تذكره رجوع للخرطوم ، سهرت حتي هفهفات الصبح اسفل اناره عمودكهرباء بحي المرغنيه لم يبخل اعدائي وحلفائي في لعبه الورق بكاسات حبشية.
دوخه خمر ونعاس كأن في اجفاني تتمرغ افيال كن لاخيار لي سأقاوم للحاق ببص السادسه فمواعيد وصولى ومغادرتى لااتدخل فيها بل يحددها مؤقت خاص كالذى يتحكم في مزاج الطيور .
ترجلت بخطوات مغنطيسيه اجتر ساقاي كخراف عنيده الي السوق الشعبي ,صيحات دلالي البصات تتساوى فى مضمونها رغم إختلاف البصات وفي الشباك المزدحم حصلت بصعوبه بالغه علي تذكره بحثت على رقم البص المدون في التذكره وبتثاقل بالغ بحثت عن المقعد 23 اغمضت عيناي قبل توسده ، احس بتحرك البص اثناء نومي احياناً افتح عيني بتكاسل تحديداً في فترات التعرجات الحاده للطريق.
। ضغط السائق علي الكابح بقوه في تخط فاشل ازحت ستاره النافذه تراءت لي الاتجاهات معكوسه رددت ذلك الي ارهاقي اخرجت التذكره لاعرف زمن الوصول التزكره مدونه كالتالي
)سفريات التيه(
)كسلا _بورسودان(
بورسودان!! هكذاإذن الاتجاه صحيح ولكن عكس توقعاتي
انفلتت مني ضحكه هازئة يبللها فرح دافق ازحت المقعد للخلف ونمت .
ابريل 2008
2- ورقه التوت
قالت بحنق : ارحمني ، أغرب عن وجهي الآن , هيا إذهب لاني خجله وأحبك ،
القت بها بعد ان تجمعت الحروف في فمِها الصغير هكذا....، كقِطره ماء إنزلقت من ميسم زهره فل في يوم اريز ، حينها علقت نظراتنا في مجراتٍ اُرجوانيه بعيده و تلاشي الصخب حولنا عدا هلامُ صداي الرطب يهتف انت الطريق انت الطريق، صِحتُ معه بأعلي نشوة حبلٍ صوتي عندي انا الطريق وماعداي محضُ رصيف ، الصوت يعلو وأعلو ونظراتنا ماتزال عالقه .
ايامي الجامعيه تمرُ كالاغاني الارتِجاليه عميقهُ الايقاع صاخبه راقصه مبهجه ولكن دون معني ، حتي محاضراتي تمرُ امامي كبصات نقل المساجين الكئيبه يحُثني شُرطي ما بداخلي أن اركب اتجاهله بتركيزي في بيادقِ رقعه القمار تحت شجره التمادي الظليه . ويالسوء الطالع نظفوا محفظه نقودي واخذوا حتي " كيس التماك" وورق " البرنسيس" شتمتهم ولعنت حظي ببذاءه معلننا بدايه اخري بكليه العلوم .
حملتُ تفاؤلي وذهبت بينما كانت تحملُ اوراق وبسمه صغيره اكتشفتُ انها " برلومه" من لون الملف الذي تحمله ، استوقفتي بعد تردد بسؤالٍ عن مكتب التسجيل اجبتُ بتهذيبٍ عالي فهو عامل مهم لإتمام مقلب تقليدي اوهو ثأر تاريخي متوارث يتذوقه كل الطلاب الجدد كماتذوقناه ، واضِفت : التسجيل آخر مرحله بعد اجراءات الكشف الطبي وكرت الحمي البرييه ، والحمي وكرتها من اختراعي الخاص. تسألت عن مكان إستخراج الكرت لكن ضحكتي المتعجله افسدت الموقف نظرت إلي بغصب مرتبك وذهبت ومنذها اي تلك النظره تسللتني حمي بريه مشتعله .
هاهم الحجاره شلتي العربيده والفشل العاطفي المطلق لوتأمله إنشتاين نفسه لاعاد النظر في نسبيته عندما اخبرتهم باعجابي بها سخروا منها كثيرا وهم لم يروها بعد، أكدت لهم انها تشبه حكايات البحاره رفع احدهم اصبعه كصاري نكايه في كلِ إناث العالم وضحكوا جمعيا كعاصفه .
كعاده الغروب ينتظرنا الشاي بلهفهٍ ومع آخر خيط ضوءٍ تخيطُ به الشمسَ سُترة الأرض يبداءُ مِشوارنا اليومي من الجامعه الي مشارف منزلهم مشوار نتقاذفه خطوة بخطوة ككرهِ الماء ، اثناء سيرنا تصادِفنا أشياءٌ كثيره اشكال مموجه في هيئه سحب ، منازل ، اناس ، نجو م ، صوي وفنارات تمضي لحالها ولاأكترث لان يدي في رعايه يدها ، يتساقط علي صوتها كمكعباتٍ ضوئية ملونه تتكسر فور ملامستها سمعي كما يتكسر إحتجاجي امامها وعندما تصمت تظلُ المكعبات الضوئيه تذوبُ داخل دورقي ببطءٍ يشبه مشينا ـ دو ـ ري ـ مي ـ فا ـ ونوته خطوِاتنا لاتنتهي الإ لسكتاتٌ تخصُ اللحن . الطريق الذي لاأتمني نهايته مشاياً اتضجرُ من طوله عند عودتي راكباً .
عامان والحبُ يركض بنشوة حصان مختال تجاوز المطبات الصناعيه الصغيره وحان وقت القفزات العاليه الصعبه ، اسئله المسقبل الجاهزيه والخطط مستحيله التمويل ، وبعد جدل طويل اتفقنا علي ان نفترق واختلفنا في مع من سيذهب الحب معي ام معها لكنه وقف بينا وبكي وبكت امامي بيأس عندما فرض اباها زوجا عنوه اوخروفا كما تنعته ، قلت بفم كلب تزوجيه حدجتني بنظره مفادها حتي انت يابروتس ، ابتلعت مراتها كصخرة حنظل كررتها لن اتزوجه وإن كان (....) وقالت بتحدي ساتزوج حبي وبعد غد هذا إن كنت رجلا وتستحق . تركتني كنبات "الِمرخ" بضواحي "بارا" اغالب رمال راسي المشتعله .
فُزت بجولاتٍ كُثر لتركزي العالي كي أتخلص من ضعط التفكير في حل ملائم وتتسلقتني دائما عبارة ساتزوج حبي ولم اعر اسفزازها اهتماما ويالعجب !! تذكرت خصامها لي لشهرين عندما حاولت اقناعها بزواج عرفي ، قارنت الخيارات حبي , تحديها , امتصاص الازمه وكل الاحتمالات ،قال احدهم "حلاوتها في سرعتها" لاتأخر اللعب رميتُ الورق بعنف وإخترتُ شاهدين .
قبلتُ بك زوجاً ، قبلتُ بك زوجه كل اخذ ورقه موقعه طلبنا اربعه سندوشات وكوبي عصير لضُعف الميزانيه ، بعينيها إنتصار مهزوم وكان فرحي محايدا وهكذا سارت الامور وبلامأوي .
هاتفها وتفكيري مغلقين لاسبوع كامل واخيرا بصقت رساله إطلع عليها كل الحجاره لأن الهاتف سقط مني تناوبت السنتهم الحاده جلدي وشتم النساء .
خرجت من حفل زفافها مخموراً اهتفُ باعلي حبل هزيمهٍ معلقٌ في عُنقي انا الرصيف انا الرصيف حتي سقطة ورقه التوت من يدي.
8 يونيو 2008م

فتحي بحيري

(1)
ظلَّ يدأب منذ زمن على نحت شيء في الجدار. ظللت منذ زمن؛ أنا والبقية، أراقب ما يفعله ستيلو. كان يقول، هو في الحقيقة لم يكن يقول شيئاً، كان من أظهر صفاته الصمت؛ الصمت المبين. عندما يصمت ستيلو نفهم أنا والجميع كل شيء. فهمت منه أن ما ينحته، وأن ما يرسمه، في الجدار، ثقباً.
ـ لكن يا ستيلو، الثقب لا يُنْحَت في الجدار، ولا يُرْسَم، إنَّه يُحْدَث. هل أنت واعٍ إلى أن ما تفعله في الحقيقة هو أنك تثقب الجدار؟.
لم يقل شيئاً، ولكني فهمت منه أنه لا زال ينحت شيئاً ما، أو يرسمه، في الجدار. لم أكن حينها قد أخذت دروساً في المدرسة عن الاشتقاق، ولا عن أفعال حروف الجر:
ـ لكن، يا ستيلّو، الثقب عَدَم، كيف ترسم العدم، وتنحته؟.
حينها، لم يكونوا قد فرضوا عليَّ واجب تعلم الفيزياء، ولا منحوني ذلك الحقّ، لكنني فهمت، عندما صمت ستيلو، أن الثقب عَدَمٌ في مادّة الجدار، كونٌ في مادّة الثقب.
(2)
ـ لماذا، يا ستيلو، تشبهنا ولا تشبهنا، إلى هذا الحد المجاور للألم؟. طارحته الأسى ذات غباء، كان صامتاً جدّاً، وكان الآخرون نياماً على أرجلهم من فرط سكب النهارات على أرصفة الشوارع والحافلات وحافات البيوت والذوات التي تنقُّ في ذواتهم غيظ بكاء.
لم يقل لي شيئاً البتة، أو عساه لم يقل لي البتة شيئاً، كنتُ نصفَ صاحٍ ونصفَ نائم، في الغربة التي خُيِّل إليّ أنني أفهم عنه، وبذات اللذعة، أنه منّا، أنه ليس نحن!.
(3)
ـ هل تدرس يا ستيلو ما بين النقبة والإزميل الحكمة والكيمياء؟.
هكذا ناجيته ذات دهاء غير ماكرٍ البتة، كنت بريئاً مني حينها، بريئاً حتى من متن السؤال ومن هيلمان السياق.
ـ في الشهورِ واحدٌ يُكنَّى أبريل، لاعلاقة له، إن كان له علاقة، بغير الصدق، والانتباه، وإن كانت الأشياء، أو بعضها يكذب، فإن الوقت، وسيَّما أبريل، لا يكذب البتّة.
أو أنه صَمَت:
ـ لا يكذب أبداً.
بيد أنه أحرجني، بكل تأكيد، مع سيدتي الحبيبة التي أسميها في اللغة الأجنبية، بغير تدقيق، Generalization، ويُدلِّعها الرياضيون والفلاسفة، باللغة الأجنبية، بغير تدقيق، أيضاً، Abstraction، بيد أنني لم أكترث، بداهةً أنه لم يكن معنا أحد، وكان الآخرون نياماً على أرجلهم، وأنني كنت نصف صاحٍ ونصف نائم:
ـ هل تحتاج مني شيئاً قبل أن أنام؟.
وكنت فعلاً أحتاج شيئاً واحداً هو أن أنام। ما قال، مجدداً، شيئاً. لكنني فهمت منه، ما بين نقبتين وإزميلاً واحداً، كنت أعرف حينها الفعل المشترك لـ(بين) والـ(واو) على الإزميل، بيد أنني كنت نصف صاحٍ، نصف نائم، كاد يرفع عني القلم/ بَيْدَ أنني لم أضع القلم بعد، فهمت منه، ما بين نقبتين وإزميلٍ واحدٍ، أنه يريد مني شيئاً واحداً: هو أن... أنام.
(4)
في المطارات البعيدة، والموانئ، قابلتُه، يحمل غَضبتين، وأسىً واحداً، وعشرين أحجيةً، ونصف، اسمها بالضبط: إبريل وغربة وأشياء أخرى كثيرة، ونصف وخمسة.
قابلته أيضاً عند تلك الطابية، يحمل إزميله:
ـ ستيلو!، ماذا تريد أن تفعل؟.
ـ لاشيء، أضبط ساعتي.
لم يقل شيئاً، ولم أفهم أنا هذا، غير أنني عدت أدراج الجدار، أقضم أظافري، ولا أغني البتّة.
(5)
لا تسألوني عن عناصر ستيلو!، أخبَروني في المدرسة عن الثمانية وثلاثين رسماً، معظمها ملتوٍ، قالوا لي إن ما أفعله على الورق الأبيض بهذه الصعوبة، على بعدين فقط، ذلك الذي أتركه كلما جعت جداً، لآكل، وكلما شبعت، لأنام، قالوا عنه إنه اللغة؛ الأخت الكبرى للفيزياء، تلك التي تغسل لها وجهها كل صباح، وتلبسها فستانها، وتوصلها إلى المدرسة لتدرس اللغة والفيزياء والحساب، قالوا لي إنها أنا. في العصر، عصرُ غدٍ وأمس، وكل عصرٍ إلى ما شاء الله، لا توجد الفيزياء، ربما تكون مع بنات الجيران تلعب الحجلة، ولا توجد اللغة، غالباً ما تكون لتأتي باللبن، في العصر، عصرُ غدٍ وأمس، وكلُّ عصرٍ إلى ما شاء الله، يوجد ستيلو يدأب منذ زمنٍ على نحت شيءٍ ما في الجدار.
(6)
وَيْحَهُمَ!، علَّموني حينها أن (الكتابة على الجدار)، غير (الكتابة فيه)، ربما لو كنت أعلم، لما احتاج ستيلو مني شيئاً واحداً هو أن أنام، ولمَا سقط عني القلم!.
(7)
لا، لا تسألوني عن عناصر ستيلو وعن ماهيته، لم يكن يلعب البِلِّي عندما كان طفلاً، لا أذكر أنه كان طفلاً ذات يوم، من قال إن ستيلو ليس آدمياً مثلنا؟، لا أستطيع أن أغيِّر قناعاتي أن الدم عنصر من عناصر ستيلو، بيد أنني لا أزال أعرف أن الفيزياء لغته، وأن اللغة فيزياؤه.
الحزن كان نواة تكوينه الأولى:
ـ مالذي يجعلك يا ستيلو على إبريل تنكفئ، الحياة تمتدُّ خارجه كما اللغة؟.
ـ في إبريل تأخذ الأشياء وجهها الصدوق.
ـ بقية الأوقات لا تكذب.
ـ في إبريل تأخذ الأشياء وجهها الصَّدُوق.
ـ هل تصدّق يا ستيلو رسمةً كتلك التي نشير بها إلى الحروف والأرقام والتعجّب والاستفهام؟.
ـ الصدق باطن اللغة، حياتها التي تمنح الفيزياءَ ضوءَ شمسها ومائها.
ـ هل العذاب يا صديق أن نجيء؟.
ـ الحياة أن تمر من نوافذ المجيء مرتين؟.
ـ ستيلو؛ لا أحبُّ هذه اللفظة (نوافذ)، إنها تذكِّرني باللصوص والروائح القوية الكريهة ومنصَّات محاكم الطوارئ النّاجزة، والصعاليك والشتاء.
ـ العذاب أن تقول للذي ما كان: أين كُنت؟.
ـ ستيلو.. أنا آسف، لكنني صحوت ذلك الشتاء مرتين، أين كنت؟!.
الجمعة 4 ديسمبر 1998م.

عادل عبدالرحمن

شَغَبٌ جِينِيّك
وَضَعَتْهُ الممرضة بين يَدَيْ زوجتي، ثم نظرَتْ إلينا واحداً بعد الآخر:
- إنّه طفل جميل، لا بدّ أن جيناتكم كانت متناغمة؛ أخَذَ من كلِّ واحدٍ منكما شيئاً..
- شكراً لكِ..
- شكراً، لقد كنتِ لطيفة معنا، حقاً، طوال هذا اليوم المُفرح، والعصيب..
ولَمْ نَكَد نَفْرُغ من شُكْرِها حتى انكَبَبْنا عليه نتنازع تقسيم قَسَمَاتِهِ في ما بيننا:
- إنَّ أنفه مُفلطح، يشبه منخرَيْ والدتكِ، أمّا هذا الشعر الناعم فهو يشبه شعري، تماماً، عندما كنتُ طفلاً..
- (هه هه ها) قال ناعم، وقال منخرَيْ أمّي.. اسمعْ، هذه نَخَرة حبُّوبْتَك إنتَ، أمَّا هذا الشعر الناعم الفاحم فهو شعري أنا، وللا إنتَ عميان ما بتشوف؟!.
قالت ذلك وهي تمسك بخصلة من شعرها بطرفَيْ سبّابتها وإبهامها محاولةً إفرادها إلى أقصى مدىً ممكن، إلا أنَّ شَعْرها القصير والأجعد سرعان ما انفلت وأمسكت أصابعها بالهواء..
- (ضَحِكَتْ) نسيتُ إنّي قصَّرْتُ شَعْري، كانت فكرتك على العموم.. ولكن قل لي، مِن أين أتى بهذه الحواجب العريضة؟.
*
في ذلك اليوم جالت بخاطري كلُّ حواجب العائلة من عمَّات وخالات وأبناء قبيلة، ووجدتُ بعضاً منهم ومنهنّ ممن تنطبق عليه الأوصاف، فتبسَّمْتُ راضياً. كنّا قد اتفقنا على تَرْك أمر (عيونه) ولون بشرته؛ عيونه حتى يزول عنهم الورم ويَقْوَى على فتحهم، ولون بشرته حتى يغمره ضوء الدنيا ليبان على حقيقته، ومن ثَمّ لنبتّ في أمرهم.
وبمرور الأيام تَمَسَّك طفلنا بلونٍ نحاسيّ أصفر، وبعيونه التي لا يقوى على فتحها: كانت وكأنّما، فَتْحَتَا عينيه، عُمِلَتَا بمشرط، وسط جفنيه المنتفخيْن.
- إنّه في حاجة إلى عمليّة تجميل (قالت لي زوجتي).
- (ضحكتُ) إنتي مجنونة؟، الولد عمره عشرة يوم وتقولي لَيْ تجميل؟.. إنّها مجرد عيون صينيّة، لا غير!.
نظرَتْ إلَيَّ بغير رضا، إلا أنّني أحسستُ أنّها تشاركني الرأيَ، فعيونه صينيّة، ولا شك.
- العيون الصينيّة، عموماً، في حاجة إلى عمليّة توسيع!.
(عادت إلى عنادها) قلت لها:
- أسمعي يا بِتّ العم، لو كان الأمر كذلك فيا لحظ أطباء التجميل، فهناك أكثر من مليار عمليّة في انتظارهم..
- أنا أتحدّث عن ابننا، ما بَهَذِّر معاك!.
- طيّب قولي لَيْ العيون الصينيّة عيبه شنو؟.. هل تذكري "س" الحَكِيت ليك عنّها – كانت عيونه صينيّة، وهي من أجمل بنات الدنيا، و..
(زعلَتْ، فصَمَتُّ).
أمّا بعد عدّة أشهر؛ لم تعد هناك عين تخطئ في أنّها تنظر إلى طفل صيني: بشرة صفراء، وجه مدوّر، عينان مثل جُرح، وشعر فاحم بسبائب ناعمة وصقيلة.. كنتُ أرى فرحة أمّي الهادرة بقدومه قد شابَها بعض الارتباك، وقفشات الأهل والأصدقاء التي كانوا يطلقونها، في الأسابيع الأولى، بدون حساب حول ملامحه قد بدأت بالخفوت. وأمّا أنا وزوجتي فصرنا كمن يمشي في حقل ألغام..
كانت فكرة أنّ زوجتي قد خانتني مع "صيني"، والتي غَمَزَ لي بها أحد أصدقائي السَّمِجِين، فأسمعتُهُ كلاماً جعله يَشُكُّ في أصله وأصل أمّه وقبيلته كلّها، قد بدأت تراودني، والقَسَمَات الصينيّة تزداد رسوخاً.. صرتُ أشُكُّ في أنّ زوجتي قد بدأت تشكُّ في لو أنّني بدأت أشكّ فيها. صارت مثل لبوة لبون وجريحة.
وكنت موقناً من لو أنّها لَمَحَتْ مجرّدَ نَأْمَةٍ منّي بذلك فسوف تفترسني، ولذا تَوَخَّيْتُ الحذر. وفي الحقيقة، وكما قلت، إنّها مجرد فكرة. بمعنى أنّني حاولت مناقشتها مع نفسي بصورة فلسفيّة بحتة!؛ فالخيانة ليست مجرّد احتمال فقط، بل أحياناً تكون أمراً محتوماً، في حالة انحسار الحب الناجم عن حسرة. وبما أنّ حبّنا لم يكن قد تعرَّض لأيّ ما لحظة ملل، ففكرة الشك لم تتعدّ حدّها الفلسفيّ لتمسّ زغب روحي. وتذرَّعْتُ بالشَّكّ الديكارتي الذي هو أصله الإيمان. ولتوكيد الأصل الفلسفي لشكّي شرعت أشكّ في ديكارت نفسه، وفي أنّ نقاء شكِّه لا يَرْقَى إلى معدن شكّي النفيس!، ولِحَسْمِ الموضوع بيني وبين نفسي، تسلَّحْتُ بالنظريّة التالية: سأصارح زوجتي دون إبطاء، وبصورة واضحة وحضاريّة، في حالة أنّ هذا الشكّ تعدّى حدوده وأصبح يسبِّب لي قدراً، مهما كان ضئيلاً، من القلق والضيق. ولأنّه في هذه الحالة، حالة سكوتي عن مصارحتها، أكون قد خُنْتُها بشكّي فيها من وراء ظهرها. وعلى هذا الأساس صرتُ أَسْرَح في بعض الأحيان.
*
- هذا الأمر أصبح لا يطاق! (قالت لي، يوماً، بلا مقدِّمات).
- أيّ أمْر؟ (سألتُها وأنا أَرُومُ نبرة المحاوِر المنفتح الذِّهن).
- أمْر سَرَحَانك.. ألَمْ تلاحظ أنّك صرتَ تَسْرَح مع نفسك طوال الوقت بدل أن نتناقش سويّاً في هذه المصيبة التي نحن فيها؟!.
(أحسست كما لو أنّها أرادت أن تقول: "أنا" بدل "نحن". وشكَكْتُ في أنّي أحْسَسْتً ببعض الراحة لذلك).
- أيّ مصيبة؟.
- بتتغابَى، مُش كده؟، إنو دنقلاوي وشايقيّة أنجبا طفلا صينيّاً، أليست هذه معضلة، أمْ تظن أنّ في الأمر طرفاً ثالثاً؟.
كان سؤالها مباغتاً وصاعقاً، لا يَحْتَمِل التأمّل والتواني في الردّ عليه وإلا انكشف أمْر زغب روحي الذي بدأ في التكلُّب.. ولكن وَقْع دَوِيِّه عليَّ ألْهَمَني الفكرة:
- ماذا لو كان "منغوليّاً"؟!.
لبرهةٍ غامَت روحها في كدَرٍ عظيم، ولكنّها سرعان ما استجمعت أشتات فكرها
لمجابهة هذا الاحتمال:
- هل تظنّ أنّ طفلنا متخلّف عقليّاً..؟ إنّ مثل هذا الحبور والبهجة والمرح لا تصدر عن روح ٍ كَلِيلة. هيّا بنا إلى الطبيب..
نظرتُ إليه؛ كان يرفس الهواء بمنكبيه وقبضتيه، مُصْدِراً مناغاةً، خِلْتُها لوهلةٍ، أعجميّة!.
*
خرجنا من المشفى تحاصرنا ثرثرة الممرضة التي استقبلتنا وصحبتنا مودّعة:
(هذا طفلٌ رائع، موفور الصحة وتبدو عليه علائم النجابة.. هل تبنيْتُماهُ للتو..؟ أحسدكما عليه)!.
كان تعليقها قاصماً। كنت أنظر إليهما؛ زوجتي والطفل، خلل المرآة وهما في المقعد الخلفي للسيّارة. كانت ضائعةً، تضعه على حجرها شاخصةً ببصرها نحوي ولا تراني. تحيطه، واجفةً، كمَن يمسك بقرنَيْ عفريتٍ صغير. باءت كلّ محاولاتي بالفشل لحملها على الكلام. كنتُ أقول لها، على سبيل المثال، أشياء كنت أظنّها دُعاباتٍ ستبدِّد بعضاً من حالة الوجوم التي هبطت عليها: (إنّ لله في خلقه قِدَدْ॥)، أو، (القرد في عين أُمّو غزالة..)، إلا أنّها لَمْ تفعل شيئاً؛ مقولاتي، سوى أن أشعرتني بأنّه يجب عليّ أن أصمت.
كانت تبرطم هي الأخرى وهي تذهب بعيداً. وكانت أحياناً تأخذه من على الأرض وتذهب به بعيداً. وفي ذات مرّة ضَبَطَتْني:
كانت أمّي قد قالت لي، يوماً، وأنا أتمعَّنه وهو نائم: (إنّ به شَبَهاً من جَدِّك). كانت تقصد أباها، طافت ملامحه النوبيّة بذهني؛ شعره، جبهته، عيونه، صدغاه، فكَّاه، فضحكْتْ: (عليك الله ياتو شَبَه)؟! أجابتني بلهجةٍ واثقة: (الدم يا ولدي.. الدم)! فكنت أبحث عن شرايينه حين ضبطتني زوجتي، فانتزعته من بين براثني وهرولتْ به وهي تبين عن برطمتها:
(والله العظيم تَقَدُّميتكْ وعلمانيتك طَلَعَتْ حُجَى.. وثقتك فيني طلعت كلام في كلام ساكتْ)!.
وَخَزَني الكلام، بَيْدَ أنّي كنتُ نائياً؛ قلبي مُعلّق في عتمة روحي، وذهني بطيخة كثيرة البثور، استَجْدَيْتُ بعضاً من شجاعةٍ؛ كنتُ أملكها ذات يوم، وسألْتُنِي:
(هل كنتُ أميناً لوعدي الذي قطعته على نفسي بمصارحتها: لو أنّ ذرّةً من قلق وضيق..)؟!!.
لَمْ أَقْوَ على إكمال كلمات قسَمي، فخرجْت.
*
أَلْفَيْتُنِي في القطار المتَّجه صوب مركز المدينة. جلسْت. هناك فتاة تقف في ركن العربة مُسنِدةً جذعها إلى الجدار الحديدي تقرأ في كتاب. نظرت إليها، كانت فارعة الطول فارهة الجمال. فطفقت أنظر إليها: برونزيّة، جعداء، ذات خصر رهيف. طافت أبيات شعر بخاطري: (خصرها يزدهي، يحتوي الماء والعشب والزهر والإنبـ.. ) نظرَتْ إليّ برهةً ثمّ عادت إلى صفحة ورقها المخطَّطَة بالكلام. حاولتُ الرجوع إلى أبيات الشعر التي كنت أردِّدها، كانت قد طارت. حاولت أن أتذكّر لأيّ شاعر كانت، فطار هو الآخر. نظرَتْ إليّ ثانيةً، وَضَعَت سبابتها بين الورق وأغلقت عليها الكتاب، أرْخَتْ ساعدها إلى جنبها، تتبَّعْتُها، استقرَّتْ ملتصقةً بصفحةِ ردفها، نظرتُ فوق الرُّكْبة بقليل، كان هناك قمرٌ برونزيٌّ مَشُوبٌ بحُمْرة يطلُّ من كوَّةٍ مُشَرَّشَةٍ صُنِعَت بعناية على صفحة الجينز الأزرق. رفعتُ عينيّ إلى صفحة وجهها، أمالت رأسها إلى جنبٍ، وطفقت تنظر إلَيّ، صَنَعَتْ مُعجزة ً صغيرةً على فمها فازدادت غمّازاتها غَوْراً، وشفتاها صارتا أكثر رِفعةً، قلتُ لي: (أنا هالك ٌ لا محالة..)، قَرَأتْ ما جال بخاطري فأرسَلَتْ لي من خاطرها ببعض رضا.
أحسستُ بعينين ترقبانني من على يساري، فكّرتُ في أن ألتفت بيدَ أنّيَ لَمْ أفعل. كنت أنظر إلى نصف الحلقة العظميّة التي تربط بين الترقوّتين، تنام عليها قلادة من تراث شعبيّ، رفعتُ عينيّ مستكشفاً أبحث في ملامحها عن أثر، فلمحتُ بعضاً من أغاني هنودٍ حُمْرٍ تنام على صفحة خدّها، عدتُ إلى شعرها الأجعد المتحلّق بعضه حول جبين ٍ أصيل، قَرَأَتْ ما يجول بخاطري الينهشُ في أصلها، فشابها بعضُ ارتباك. أمالت جذعها نحو جنب، ثَنَتْ ركبتها، رَفَعَتْ قَدَمَها، وانحنَتْ قليلاً، مدَّتْ ساعدها نحو كاحلها، وأصلَحَتْ من حال خلخالها "الأبانكيّ"، قلتُ لي: (هذه فتاة من أصل جيناتٍ عديدة أغْدَقَتْ عليها كلٌّ منها بأجمل مما تملك)، شعرتُ بأسىً غامق وحزنٍ مبهم. تلصُّص العينين عليّ من على يساري يغيظني. لَمْ أَقْوَ على أنْ ألتفتَ فقامت هي بالمَهَمَّة نيابةً عنّي: نظرَتْ إلى يساري؛ إلى مَن يحاول أن يشغلني عنها، ثمّ عادت إلَيّ وعلى عينيها رسالةٌ غامضة، فوقعتُ في خطأ إستراتيجيّ ذميم حين التفتُّ:
- هايْ، آفريكان..
- أهلا، يا "قُحَّة"..
- كيف حال الولد وأمّه، كيف عاملين؟
- بخير، تمام..
كانت، سوزان، قد بدأت سؤالاً آخَرَ، فأحْسَسْتُ بأنّها تماطلني، تبسَّمْتُ لها ونظرْتُ نحو النافذة على يميني كمن يستكشف الطريق، وأنا أعود نحوها لمحتُ مكان فتاتي الذي بات خاوياً، رسمتُ عليه كلمات أغنية "أبَانكيّة" سمعتُها من عاشق ٍ جوّال:
(أجلسُ هنا
حيث يمكنني أن أرى
الرجلَ الذي أحبُّه
أهلُنا اختاروا القسوةَ معنا
ولكنني سأبقى
طالما بَقِيَ العالَم
هنا سأبقي
لأشاهد الفتى الذي أحبّه)।
سوزان صديقتنا، أنا وزوجتي، أمريكيّة بيضاء؛ قُحَّة، حسب تعبيرها هي. كنتُ قد سألتُها يوماً: (ولكن، مَن هو الأمريكي القُحّ)؟، فقالت لي بصدقٍ مسرحيّ ودلال هازل: (أنا)!، ومن يومها تصادَقْنا وصرنا نناديها بذلك. سوزان جميلة، وهي من النساء القلائل اللاتي يُثِرْنَ حفيظةَ زوجتي، وليس غيرتَها، كما تحب زوجتي أن تؤكد لي. فهي لا تتوانَى عن مغازلتي كلما كنّا في جماعة، وتزداد غيّاً كلما كبرَت جماعتنا أو ازداد أمرُ الجمع شأناً. وتفسير زوجتي لذلك بسيط وواضح: (إنّها تبحث عن عريس، ولذلك تسعى للَفْت انتباه الآخرين، ولو على حسابنا، فلا تَغْتَرّ ويذهب بالك إلى بعيد)!، ومن جانبي أمَّنْتُ على نظريّة زوجتي كي لا أثير "حفيظتها".
ضربتني سوزان بقبضة كفِّها على فخذي:
- لقد رحلَتْ، انتبه معي الآن! (قالت لي بلا مواربة).
- نعم..؟، ماذا تقصدين؟! (قلت يائساً من مغالبة ذكاء حسّها الأنثويّ).
- اسمعْ، لا تحاول أن تصنع منّي مغفّلة، وإلا أخبرتُ زوجتك.. كنتُ أراقبك وأنت تغازل تلك الخلاسيّة..
- لَمْ أغازلها، كنت أنظر إليها فقط!.
- حسناً، كانت تغازلك هي.. ولكن، للحقيقة إنّها رائعة الجمال، كيف فرّطْتَ فيها يا مُغفّل؟!!.
- أنت ِ قحبة.. أقحب من.. (ولوَلتْ بضحكاتها الصاخبة فلفتت الأنظار إلينا، فاضْطُرِرْتُ على السكوت).
- ماشي وين؟.
- ماشي المكتبة (كنت قد لمحتُ ختم المكتبة العامّة على غلاف الكتاب الذي تحمله).
- هائل، لقد حصلنا على رفيق ٍ طيّب..
شبكت أصابعها بأصابعي ونحن نهبط القطار.
*
- مساء الخير..
-.. كنتَ وين؟.
- ما تردُّوا السلام أوّل بعدين أسألوا كنّا وين!.
- مساء الزِّفْتْ!.. كنت وين؟.
- قبل ما كنت وين..! وين "تسي"؟.
- شنو؟!!.
- "تسي"، وَدِّيتِيهُو وين؟!.
(كنت أكابد كيْ لا أتلعثم، نظرتْ إلَيّ بعينين مُتَّقِدَتَيْن):
- أَسَمَّيْتَه تسي؟! ماو.. تسي.. تونغ، رائع!، ولكن، قل لي: هل تطلَّب الأمر لاختراع هذا الاسم مثل كلّ هذه السَّكْرَة؟؟.
- طبعا لأ.. فكرة السَّكْرَة سبقَت الفكرة التي أتت عفو الخاطر ولا علاقة لها.. أقصد أنّ الفكَسكرة.. يظهر إنّو أنا سكران.. لنبدأ من جديد.. إنّ الفكر.. (دقيقة.. دقيقة، قلت نبدأ من جديد، لنبدأ من جديد):
- كنت وين؟.
- لأ، مُش من جديد خالص (ارتميتُ إلى جانبها، وضعتُ ساعدي حول عنقها) أسمعي يا.. إنتي إسمك منو؟، وللا أقول ليك؟؛ دعكِ من الأسامي الأجنبيّة، دعك من تسي تونغ وشارل ديغول، وخلّينا مع الأسامي الإستراتيجيّة، أسمعي يا حبيبتي: (الغرام في الدّم سارح والهوى..)
- أسمع يا زول إنتَ هُوْيْ (أفلتت عنقها من تطويقة ساعدي ودفعتني برفق من لوحة كتفي) ريحتك براها تعمل قعدة، وإنتَ عارفني ما بحب الريحة دي، أمشي استحمّ وسَوِّك خشمك وبعدين تعال نكمّل كلامنا..
- ريحتي؟!، إنتِ زمان مش كنتِ بتشربي معايْ؟
- عليك الله بطّل اللَّيَاقة.. وبعدين يا ريتك ترضى تشرب زيْ شرابي الكنتَ بشربو أنا زمان!.
ذهبت ُ إلى الحمَّام، أغلقتُ فتحة التصريف، ملأت الحوض وغطست في الماء
الدافئ، وتمدّدت في الذكريات الدفيئة، آه يا زمن!।
(هل أنا كنت طفلاً.. أم أنّ الذي كان طفلاً سوايْ).. (ركلة ٌ من فَرَس.. تَرَكَت شَجَّةً في جبيني.. وعلَّمَت القلبَ أن يحترس..).. (.. وعلّميني الشَّعْرَ..).. حاوَلَتْ أن تفتح الباب، كان مغلقاً من الداخل، طَرَقَتْه، أتاني صوتها: (ياخ أمّك و"ماو" نايمين، ممكن توطِّي صوتك وتبطّل كواريك)!، (سمَعاً وطاعة) أجبتها،.. كانت تقول لي: (أحبّ أن أسمعها منك؛ حين تقول لي: نعم).. كمْ كنت أحبّها، كمْ أحبّها الآن، كمْ كنت أحبّها غداً، أنا غبي، امرأة مثلها لا يمكن أن تكونَ قد... وَحْدَهُم؛ الأباطرة الصينيّون، تآمروا عليّ وأرسلوا لي حفيدهم هذا كي يُبَلْبِلُوني، كي يُضَعْضِِعُوا كياني، لا أدري كيف فعلوها، ولكنّها مجرّد مؤامرة دنيئة.
كنّا في الخرطوم، نسير، وكلّما أمسكتُ بيدها تُفْلِتُها من يدي، سألتها: (ماذا بكِ)؟ (إنتَ مجنون؟ الناس بِعَايْنُو لينا)! ( عشان مَسْكَتْ يد.. والله أبوسِكْ هسّع).. هرولَتْ: ( إنت مجنون ) وهرولتْ، ركضتُ خلفها: (إن لم تقفي سأصيح)! ( صِحْ ما بدا لَكَ..)، طيّب، وقفتُ: (يا ناس!، شايفين البِتّ السَّمْحَة الجارية ديك؟ أنا بحبّها.. البت الجارية ديك.. اللابسة البلوزة الحمرة، أنا بحبّها..).. وقفتْ، ضحك البعض، وقال أحدهم: (يَخْسِي عليك..) فزجره آخر.. تلقيْنا من الابتسامات والتعاضد بأكثر مما كنّا نحلم.. (ما كنت عارفة إنّو في ناس مجانين في البلد دي غيركم، إنتَ وصُحبانك القاطعُن من راسك)!، (الغيرنا كتار.. والما غيرنا سيذهبون اليوم للنوم ويحلمون بنا..).. آه يا زمن.
كانت تجلس بقربي، كنّا متشابِكَيْن بقربنا، بجسديْنا، بروحيْنا.. فجأةً، أمسَكَتْ بيديّ، بعدت قليلاً بجسدها عنّي والتفتت نحوي غارزةً عيونها في عينيّ: (ماذا بكَ، بتعمل كده ليه)؟ تلفَّتُّ حولي: (ماذا بي)؟ (بتتزاوغ منّي ليه)؟!، (تقصدي شنو)؟، (كلما أجِي أبوسك تدّيني خدّك.. أجيك بيجايْ، تجيني بيجايْ)!، ضحكت ُ، كانت تعرف السبب ـ لا بدّ أنّها تدبِّر لمكيدة ـ كنتُ أتحاشى مضايقتها برائحة "العَرَقِي" التي لا تحبّها. قالت لي: (عشان سَجَم الرَّمَاد دا، خايف عليْ من الريحة..)؟! أمْسَكَتْ بالزجاجة وملأت فمها، تمضمضت بالعَرَقِي وبصقته: (يللا بينا، بعد ده كلّنا في الهوا سوا..) قلتُ لها أنّ هذا لا يُبْطِلُ الحذر، أمسكت بالزجاجة ثانيةً وقذفتْ جوفها بجرعة.. أحبطتْ كلّ محاولةٍ للتحاشي، حضنتني، شبكت مصيرها بي، اشرأَبَبْنا بروحيْنا، وقفزنا السياج.
كانت تفلّ عُقَدِي، تمسك بها عقدةً.. عقدةً وتفلّها. كانت ترى ما كان مخبوءاً بداخلي لا أقوى على رؤياه، كانت ترى ما لا يُرى، وتسمع دبيب الروح في كريات دمي..
اجتاحني عارٌ فادح:
(لماذا سوزان، بالذات)!.
مَدَدْتُ يدي واقتلعت سدّادة الماء من مكانها، كان جسدي الطافي يهبط رويداً.. رويداً.. كنّا نهبط، أنا والماء رويداً.. رويداً..
وصلتُ القاعْ،
التصق جسدي بالحوض الجاف، تكوّرتُ فيه، وبكيْتْ.
*
خرجتُ إليها كما ولدتني أمّي، كانت تجلس القرفصاء في منتصف السرير. تحاشيتُ النظرَ إليها. تحاشيتُها، أشَحْتُ بخجلي نحو الحائط:
- أريد أن أقول لكِ شيئاً..
- نعم، ماذا تريدُ أن تقول؟
- أن أجيب على سؤالك: أين كُـ..
(قاطعتني):
- بِصِدْقْ؟.
- نعم، بكلّ الصدق: لقد كنـ..
(قاطعتني ثانيةً):
- حسناً، في هذه الحالة لستَ مضطرّاً للكلام، لقد عرفتْ!.
ذهلتُ ونظرتُ نحوها، كانت تحمل رائحة قميصي بين يديها، ودربان من الدمع
يعبران خدودها।
في الصباح كنت أتطلّع إلى الكتب التي أحضرتها معي من المكتبة: "علم الوراثة"، "المورّثات"، "الجين: حامل شفرة الـ.. "، "كيفيّة تبادل البشر.."،.. و "تاريخ الشرق القديم: درب الحرير"!.
- هل نمتَ جيّداً؟
- نعم، وأنتِ؟
- دعكَ عنّي، هَيِّء نفسك، سنذهب إلى الطبيب.. مع ماو!.
- هل هو مريض؟
- المريض هو أنت، ونحن السبب.. أنا وماو، إذن علينا جميعاً أن نذهب، هيّا..
- لنفعل ماذا؟.
- لكي يطمئنّ قلبك، سنعمل تحاليل الحمض النووي..
- هذه إهانة!.
- سمّها ما شئت، أنا فكّرت في الموضوع جيّداً.. هناك احتمال أن تكون قد حَصَلت عمليّة تبديل للطفل في المستشفى، ورغم أنّي واثقة من أنّه ابني؛ فقلبي يقول لي ذلك، إلا أنّ علينا الذهاب..
- وقلبي أنا واثقٌ أيضاً، فقط كان فكري مشغولاً بالكيفيّة التي.. (قاطعتني):
- حسناً، ليهدأ بالك إذن.. وليهدأ بالي أنا الذي بَلْبَلْتَه بعمايلك!.
وهكذا ذهبنا.
*
قال لنا الطبيب:
- بعد إذنكما، هناك أمرٌ آخر نودّ التأكد منه، يحتاج إلى تحاليل أخرى.. نرجو أن تسمحا لنا بها..
- وما هو.. (سألناه).
- إن كان طفلكما يحمل جينات العنصر الصيني أم لا..
- حسنا، لا بأس.. (أجبناه).
- شكراً جزيلاً لكما، سيكون خبراً علميّاً مذهلاً..

وهكذا كان،
ابن الكلب؛ ابننا، يحمل صفات الجنس الصيني إلى جنب صفاتنا النوباويّة/ الشايقيّة। نُشِرَ الخبر في كبرى الدوريّات العلميّة، وعلى أثره تلقينا دعوةً من سفارة الصين لزيارة بكين. كنّا قد بدأنا في بحث وتجميع كلّ ما له علاقة بعمل الجينات:
((سائق شاحنة بريطاني لا اهتمامات له بالأدب بدأ بكتابة الشعر بعد أن أُجْرِيَت له عمليّة نقل قلب من شاعر شاب توفِّيَ إثر حادث..)).
((امرأة زُرِعَت لها كُلَى فصارت تحلم بأفراد أسرة المتبرع المتوفَّى الذي لا تعرفه إلى أن التقت بأحد أفرادها ذات يوم فتعرّفت عليه، ومن ثمّ على البقيّة، فأحبتهم وأحبوها وأخيراً انتقلت للسكنى معهم..)).
و
((زوجان من منغوليا رُزقا بصبيّة شقراء بعيون زرق وتقاطيع أوروبيّة، اتَّضَح في ما بعد أن جيناتها تتطابق وجينات جماعة من روسيا البيضاء انقرضت منذ ألفَيْ عام..)).

إذن، نحن لسنا وحدنا.. وهكذا هبط عليّ الإلهام الآتي:
إنّ مَن يدَّعون بأنّهم عاشوا من قبْل، ويصفون أماكن أخرى بتفاصيلها، ويحكون عن شخصيّاتهم السابقة وذويهم ومعارفهم السابقين، ليسوا بكاذبين، كلّ ما هنالك أنّ جيناً ما، هاجر إليهم بطريقة ما، سالكا "درب الحرير" أو غيره، حاملاً معه تلك الذاكرة ليورثهم إيّاها.
*
في الصين، في الفندق البكيني الفخم، في غرفة ذات سرير إمبراطوري، قلتُ لزوجتي:
- إنّه مجرد شَغَب جيني، ليس إلا..
- بَسْ إنتَ شكِّيت فيني، وهذا ما لن أنساه لك ما حييْت.. ( ولكنّها سرعان ما أزاحت تقطيبتها، وعادت إلى شغبها غير مضمون العواقب، وأضافت لاعبةً بكتفيها؛ مِغناجةً متبسّمة):
فلا تَلُمْنِي لو أتيتُ لك غدا بهنديّ ٍ أحمر، أبانكي، صغير!.
هيوستن ـ أوّل فبراير 2008م

صفاء نقد

عن أمزجة المكان
أغلقتُ نافذتين أرى عبرهما كل التفاصيل،أرخيت رأسي قليلا بدأ كيان قلبي كثيف الحضور،يسكن معي إحساس ما حزين أحيانا ومؤلم أحيانا ...تمتلئ به الأوراق أحيانا .... وأحيانا تصبح بيضاء مثل الجليد،هذا الإحساس يثور له القلم أحيانا وأحيانا يصبح عاجز حتى على وضع نقطة واحدة،لم اخدع في صديق... ولم يتركني حبيب،لم يهزمنى الشر ولم يدهشني .... ولم يصدمني الظلم،بحثت عن مصدر ذلك الحزن ...لم اعثر عليه ربما كانت تفاصيل تجمعت وصنعت فيّ هذا الشرخ.يبن الوجود والعدم تتكاثر الأسئلة بداخلي وبين الجسد واللامتناهى من المكان أغيب في أفكار تصلح لأكثر من كتابة ... هل أننا نسكن أجسادنا ... لماذا المكان يتقن الفراق و الغربة فيصنع فينا كل هذا الشوق و الشجن ... أيضا الزمان يلعب بريشته على ملامح المكان وحتى الوجوه....
فجأة راودتني رغبة فى الذهاب إلى غرفتي لم تكن رائعة الجمال بل كانت عادية،سرير متواضع وأوراق مبعثرة.على الأرض استلقت لوحة لم تكتمل،ألوان فى حالة فوضى و فرشاة قد دفنت رأسها فى كوب من الماء .. هنا أعيش جلست قرب الألوان التي اختلفت أوضاعها،الأبيض كان مكتملا مثل القمر،الأصفر مبعثر ... والأسود مستهلك جدا ... بينما تحول الأحمر إلى حفرة. الأوراق بعضها مكسو بالكتابة وأخرى عارية تماما ... نافذتاها تحاكى عيناي ... أيضا لون طلائها على وشك الاسمرار . وأنا فى هذا الهذيان رن جرس الهاتف.رفعت السماعة طلبت منى إحدى الصديقات الحضور إلى بيتها لأمر هام .
هذه الكلمات سرقتني .. تطلعت إلى الزمن ... انحشرت فى ملابسي ربطت حزام حول وسطى ثم ضربت الخمار حول عنقي وخرجت.عندما وصلت إلى صديقتي رأيت على عينيها بقايا دموع وكثير من البوح تعانقنا طويلا،دائما أحس باني امتداد الصليب للصدور الممزقة . عندما خرجت صديقتي من غرفتها لاحظت أن كل شئ فى منتهى النظام ... الكراسي رُصت بنظام كل الزهور مصطفة بنظام وقد تساوى طولها .... الصور الفوتوغرافية وضعت على الجدار فى صف واحد مثل طابور المدرسة .... كان النظام منتشرا حد الملل ... حاولت أن أرخى الخمار قليلا ولكن سمعت صوت والدها بالخارج،قليلا ثم جاءت تحمل كوب من العصير وضعته امامى ثم قالت
- كيف الحال؟
- تمام
بعد أن أكملتُ كوب العصير حملتُ المنضدة و وضعتُها بعناية فى مكانها
- أتدرى لماذا طلبت منك الحضور
- بعد أن رايتك ..... نعم
ضحكت ضحكة فاترة ثم أطرقت رأسها .. كانت تلك الضحكة عنوان لقصة حب طويلة شهدت تداعياتها ثم ولادتها ... وكان ذلك الإطراق خوفا من أن يفضح المكان التفاصيل,اقترحت عليه أن نذهب إلى مكان عام .. خرجنا معا إلى احد المتنزهات فى شارع النيل ... اتخذنا مقعدين و بدأت تبوح بمنتهى الحرية ... ولكن كانت هناك أغاني عربية فرحة جدا لا تتناسب مع ذلك الضباب الذي يلف وجهها ، اشرنا إلى النادل و عندما جاء قالت
- كوبا عصير ... ولو سمحت اخفض الصوت قليلا
أجاب
-اغلبهم يردونه عاليا
تذمرت قليلا ثم قالت
- أين وصلنا
لم أكن ادري أين وصلنا لكن كنت أفكر فى أن كل شئ فى الإنسان قابل لان يتطور إلا مشاعره ثابتة لا الحب يتغير ولا الكراهية تتغير... ثم أخذت استمع إليها باهتمام عندما كنت على يقين بان اغلب مشاكلنا تحل عند ما نجد مستمع جيد ....عند نهاية حديثها نظرت إلى ما وراء النيل كان هناك شريط اخضر من الأشجار... المكان واسع خالي إلا من أسراب الطيور،أحسست أن على الشاطئ الآخر كل شئ متاح.وفى نهاية لقاءنا استأجرت إحدى العربات واتجهت عن طريق الكبرى ... كان قلبي يخفق بفرح .. عندما وصلت شعرت بحميمة ونقاء المكان ، أخذت شهيقا عميقا حتى امتلأت رئتاى ، أخرجت الخمار وأرخيت الحزام ... قرص الشمس البرتقالي كان يشبه ذلك الذي فى علبة الألوان ... والسحب المتنوعة الحضور كانت تشبهه تلك اللوحة التي لم تكتمل ... الطيور بيضاء متناثرة مثل أوراقى ... وحافة الشط تشبه ذلك الشرخ الذي بداخلي .. لقد أدركت تماما أنها غرفتي ... بل جسدي الذي اسكنه... عندها صرخت ملئ صدري .

منصور الصُّوَيِّم

هِجَاءُ الجَّبَل
على الجبلِ الصّاعدِ صوب السماء، على الجبلِ متملِّقِ السماء، عليه صوب السماء، تصعدُ متسلِّقاً الشعورَ، رائحة حنّاء، متشبِّثاً بنهدين ضامرين، ممسكاً أسنانَ فولاذ بأسنانِ لبن. شفاه تتدلَّى، أحمرُ لسانٍ، لففْتَهُ بلسانٍ وتسلَّقْتَ الجبلَ صوب سماءٍ كاذبةٍ وأثداء مجدبة. يا أوجاع العشّاق، يا عشّاق الأوجاع، على الجبل ذُبِحَت قلوبٌ ثم قيل اخفقي، تخفق قلوبٌ، تخفق دماءٌ ويخفق وجع. تعالي يا أناي، تعالي من الجبل، على الجبل، تعالى إليَّ من خاصرةِ آلهةِ الـ ق.م إلى خيلِ الـ جـ نـ جـ ويـ د، إلى جبَّانات الجبل، مدافنِ السلاطين المجذومين، مدافن سلاطين كساة كعبة، مطاريد ر ز يـ قـ ا ت... إليَّ تعاااااالي يا أناي، اجذبيني من سُرَّةِ سَرَاباتِ الجبل، دَلِّيني من على ضلالاتِ الجبل إلى جبل، ماء، أمَّا، مرَّ، يا أناي؛ نهود وحيدووووووب، تبتسم يا جبل، ابتسامتك ذرَّات كربون تَحُكُّ غضاريفَ حنجرة؛ اختناق، تبسُّمُك حريق، صفراء أو خضراء أو هي بلا لونٍ اْبتسامتُكَ يا جبل.. ابتسامتُكَ، تشكُّلات السُّمِّ الصَّاعدِ بخاراً بِقِمَّتِك؛ اللافح أول السماوات، المتقطِّر رذاذاً أو ضفادعَ سماويةً خضراء ولزجة تتساقط على سفحِك القَشِّيِّ الباكي؛ يا جبل.. اللعنة؛ تزحزحْ واْنْضَفْ إليهم؛ التسع وتسعين، أمراء الجراد، أساطين البندا؛ خصيان الأبو، قارعي نحاس تيراب، انضفْ إليهم وتسلطنْ، انتزعْ أقدامَكَ الحجريةَ وطَأْ بها خـ ر تـ يـ ت أبِشِّي أو تـ يـ تـ ل البرقِ الحاطِّ هناك في الحدق؛ تحت الطائرة؛ رذاذ الشلال، حوافر الجواد، تطايُر حصاك الملوَّن، ووهج المعدن، الرصاصات على صدر آخر السلاطين؛ يا جبل... ذهب شيخاتو، أواني فخارك ذات النقوش المسمار، تنانير النحاس؛ عمدان بوّابة الهيروغليفيا، اللوتس عائماً، أقنعة القصدير وشمس رع المنهزم على أصداء صهيل؛ خيلك المسلوبة على مشارف أنفٍ مجدوع، أهرامُك السابحُ تحت ماءٍ رقراق، تماثيلُك المشنوقة بوَهَقِ ونش الحديد، آ ر كـ لـ ي يا جبل، كشوفات الفرنسي المصاب بطول النظر؛ شباكا العدالة، سرقات هـ مـ بـ ا تـ ة البردي والمسلاَّت عشيقة الرمل، مواطن بائعات المريسة والرجال المرتزقة يمتطون جذوعَ النخل ويطيرون، إلى الأبد؛ يا جبل، مومياءات تنضح بالعرق؛ كتان يتفتَّتُ خيوطاً من وهجِ وأمعاءات كهوف عتمة ظلااااااام؛ يا جبل.. يا للحبس يا جبل؛ يا منفى من لم يبع أحداً؛ يا وتد الأرض المائل، غُصْ في جمر قلبك، مُدَّ المعاولَ؛ أصابعَ ديناميت ووطاويط العماء السرمديَّة وسعال الرِّئة المثقوبة بضغط الأكسيد؛ عروقُك الماسِّية وفحم حجرك اليَتَفَتَّت بخاراً وقضبانَ حديد تَهُزُّ التاريخَ المثقوبَ وتنسجُ خرطَ الجغرافيا الغبيَّة. تَمَايَلِ الآنَ وانفلِقْ أخدوداً ليَمُرَّ موسى من جديد ويثقبَ السامريُّ بطنَ الفُلْكِ وينتزعُ روحَ الغريبِ؛ إندَكّ يا جبل حتى ينصعقَ الكليمُ ويخرُّ مؤمناً.. تمايل الآن كي يتجشَّأَ الحوتُ عنبرَهُ، ويحلِّقَ الهدهدُ حزيناً على ساقيّ الملكة. يا جبلَ الأطيارِ الإلهيَّةِ انحَتْ آلهتَكَ الحَجَرَّمْلِيَّةَ وشكَّل من حديدِك الصدئ فأسَ مأتمهم الأخير، رتِّب درجك المثلومَ ووَسِّدْ عليه النبوَّةَ حتى تتقافز خرافُكَ الشهيدةُ جَذْلَى بمطاردة فَرَاشَات الجِّنان؛ يا جبل: سااااااااااارية، يا جبل على خاصرتك تنمضغ أكباد؛ تنهزم ملائكة ويتمدَّدُ شيطان، على سفحك الرملي تنغرس رماح وتتكسَّر سهام فمُدَّ الدِّرْعَ يا جبل؛ درعَكَ الثلجيَّ المطهَّمَ بنيرانِ كسرى وياقوتاتِ قيصر القتيل. يا جبل؛ بأحشائك النَّارُ فَقَلِّبْ وَدَّانَ الكَوْنِيِّ على جمرِها وقَدِّمْه عشاءً لنيامِ كهفك الجوعى، سُرَاةِ الدنانير الآبِقَةِ وحُرَّاسِ الأزل. يا جبل، رِيقُكَ عسلُ المليكات السماوية، عَرَقُكَ ترياقُ المفاصل الذائبة ورِيحُكَ عِطْرُ فردوسٍ فَضُمَّ ديانا ولا تبعث ديدانَ أديمك الدَّبِقِ ولا ثعابينَ نارك الأبدية ولا كنيفَك الفائر؛ ضُمَّها فقط.. يا جبل؛ من تحت نظَّارتك السوداء تمر البيارق، ماءٌ رقراقٌ وبوقٌ داوٍ. حَدِّقْ؛ حديدُك والماءُ ودخان فحمك ملوَّثٌ الطيور؛ من تحت نظارتك تتنادى التقنية وتقول بُم، يَنْزَوِي تاريخٌ؛ حراب؛ فروة جَدِّي ومسبحة هجليلج، تُبَلِّلُ سفحَكَ العشبيَّ دماءٌ يا جبل وتلثُم قِمَّتَكَ أرواحٌ مرقَّعة؛ قربان أضاحيك من الرجال الذاكرة والرجال اللاذاكرة.. يا جبل؛ بغال سندباد تمضغ جُقْجُق الواق الواق، محمَّلةً ببيوض الرُّخِّ وفردة حذاء، تضرب بحدواتها بازلت المنحدرات، تتشمَّم بارود الملامسة، تبتسم وتمضي في دروب قولونك المصاب بتقرُّحات العَرَقِي وحَرْجَلِ الغازات، صوب مغارتك السمسميَّة يا جبل؛ المزدانةِ برسومات إنسان جاوا وأعناب بابل وزبرجد علاء الدين، تتوهج أبداً بكهرمانات الأميرة وتهمس للبابا تعااااااااااااال. لكن يا جبل.. زقزقة أبو منقور، رجال ميدوسا الحجريون، صفقات إوَزِّ الشلاَّل، لفتات وعول ساورا وقفزات بطاريق الشمال، أبَلاَنْچَات تمرح؛ تلوَّح بمؤخراتها الحمراء؛ تتواثب من صخرة إلى صخرة، أرياش وغلايين هنود مندثرين، كهف الماموس وأرانب المنحدرات، جنيَّات كُوْنْچِي مُوْنْچِي عارياتٌ على ذروة الغمام يضاجعن سيبرنطيقات مهجَّنة، بَعَاشِيمُ برلي ومَرَافْعِينُ طور الحكيمة؛ ميناتور مستلذَّاً يحدِّق بصورته المتراعشة على سطح بحيرة نرسيس الخالدة، أبو شوك منتشياً ينشر أشواكه تحت رذاذ الشلال، رهبان حفاة ماضون صوب ابتسامة من حجر، أسماك البخار يا جبل؛ نصفك العائم تحت اللاشعور، أنين سفروك يلامس سكاكات بُقس سِقرا الأملس، نسور دائرة في فراغ الغمام، رماد فينيق يتخلَّق فينيقا. لكن ثمة الأسماء يا جبل؛ أسماؤك:
طرنطونقا، زاغروس، كيلو بابا، هملايا، أوَيْتلا، تبت، أرارات، حيدوب، البامير، أدونيب، سانت كاترينا، توتيل، أورال، دود، أناضول، نوبة، داير، ألب، تاكا، فوتا جالون، مناصرة، كلمنجارو، كافا، أُحد، كرري، قسيون، كونچي مونچي، دراكنزبيرج، الطبيق، ِسقرا، دينار، عسير، بلقان، شوك، طورية، الطور، أنقسنا، أحمر، منيطرة، سي، كردوس، وكلو، مقطم، جودي، الشابك، سوتيريبات، الأخضر، نيوانغلند، اور، الخليل، مرخيات، هازار، فانقوقا، أفرست، قفا، غرامپيان، الهم، الكاورا، طارق، عجلون، مكران، جلجلة، بيوت، جبلين، بيهور، تٌلشي، عرفات، أبلاش، أكروم، موية، الفاو، أفرست، ألب، فيچي، ملح، سنجار، أماتونج، أرجاك، بروس، تبستي، أب كركدول، كمرون، مناصرة، عوينات، كجور، أزربيجان، لادو، فرويد،، قطن، الكارپات، قفقاس، بوما،كرمل، لادو، بررررركل، وهَلُمَّ جَبَلاً يا جبل.....

عثمان شنقر

بعد توقف اللوري مباشرة , أما المقهى الصحراوي ظهرا المراة العجفاء ذات الرثاثة المحزونة من مكان مجهول على وجهها يرتسم تعابير مشفق من اصرار عابري القرى الصحراوية في طريقهم إلي ليبيا او إفريقيا الوسطى على ارتياد هذا الطريق المحفوف بفوهات بنادق النهابين .
ترى لواريهم مشحونة بمختلف الاصناف من جوالات الخيش وبضائع في صناديق محزومة بحديد البال كلها ترقد في بطن اللوري . في استقرار مطمئن مع حفنة من الركاب الغامرين بكل شي .
استطاعت المرأة بخبرة بصرها أن تقدر المسافة التي قطعها اللوري بواسطة الغبار العالق بسطحه المدهون وبواسطة النباتات المشتبكة في الصواميل وحديدة الماكينة التي ترفع الساعد غطاءها الآن وهو مهمك في انتزاع الاعشاب الجافة من بن طيات الحديد , باعصاب مرتجفة .
تمكنت المرأة من التعرف على نباتات تلك المناطق التي قطعها اللوري وعرفت فيها اماكن كثيرة في مختلف مراحل حياتها العديدة : أثناء الرعي بالبهائم أيام لشباب حين كانوا يتوغلون كثيراً بحثاً عن العشب والماء ومرات أخرى حين سافرت إلي المدينة عن طريق بص متهالك واخذت منهم الرصحلة أيام كثيرة في الطريق ومرة حين وجدت نفسها في حملة انتخابية مساندة لمرشح مغمور عن دائرتهم وفوجئت بان الجميع لا يعرفون ذلك المرشح كما تعرفت علي بعض النباتات التي تنبت حذاء النيل . تلك النباتات التي بعثت فيها ذكرى حمى جسد غابرة تمكن فيها احدهم من انتزاع الكهرمانة النفسية .
اللوري يقف أمام المقهى مغبر السطح يصدر صوتاً خفيفاً مثل الانين والركاب نزلوا متعجلين في عيونهم ذلك الالتماع الحيواني للخوف من القادم .
جلب لهم صاحب المطعم وصبيانه العناقريب العارية للجلوس والاستجمام مرحبا بهم في عبارات متصلة تالياً عليهم قائمة طويلة من المأكولات والمشروبات الساخنة والباردة . صبيان المقهى اعدوا الاباريق والمصلى واكواب الماء للمسافرين سائق اللوري اخبر صاحب المقهى أن عجلتهم في السفر وانهم لم يمكثوا طويلاً . سأله صاحب المقهى عن وجهتهم فاخبره السائق واردف بتوتر ظهر سؤالا عن الطريق ومدى خطورته .
المرأة كانت واقفة بعيدا تراقب السحنات المختلفة لركاب اللوري . بعد قليل انضمت إليها إمراتيين في نفس عمرها . وقفن يراقبن ويهمسن على شي ما . صاحب اللوري الذي خبر هذا الطريق لفت نظره منظر النسوة المتهامسات فحمل ابريقه كأنه ذاهب إلي الخلاء ولما فهم ما يدور بينهن اشار إلي احداهن إشارة ذات معنى فتبعته من بعيد .
لما تاكد المساعد من غياب السائق دخل الحلة التي يعرفها من قبل . حسب النقود التي في جيبه . امراة كان قد تعرف عليها من قبل . اعتاد كلما جاء يذهب إليها . تبيعة الشاب والمتعة .
عندما فرغ الركاب من اداء صلاتهم جماعة شالوا الدعاء طويلا بان يكون الطريق آمن وان يعودوا إلي ذويهم سالمين غانمين آمين .
تلك المرأة ذات الرثاثة المحزنة , عادت مرة أخرى إلي المقهى بمظهر اقل رثاثة وحزن . بل بدأ عليها بدل الاشفاق – اللطف والبشاشة . تود وجهها بما يشبه الخجل والحياء . جاءت بعد أن جاء السائق وجلس على عنقريب منفرد . اشار إليها بالاقتراب فاقتربت وجلست جواره لاحتساء شاي المساء . كانت البشاشة تقطر من ملامحها الدقيقة . نفضت بعض التراب العالق بثوبها . حملت الذكري إلي عشرين سنة إلي الوراء يوم أن نفضت تراب البحر من فستانها , اثر العراك غير المتكافئ مع الرجل , حيث تمكن الرجل من نزع الكهرمانة النفسية عنوة . ثم نزلت إلي البحر للاستحمام بدون عويل او بكاء . رأت الرجل وهي تدامس الماء يلملم اطراف ثيابه ويختفي امام ناظريها في الافق كأنما جاء من المجهول . إلي اليوم لم تعرف له ملامح ولا تجد له شبه . زان كان سائق اللوري اقرب شبهاً به .
رأي السائق المساعد يخطر امامه سعيداً , حاملا الزيت المستعمل ليدفقه في الخلاء فابتسم وغبطة على ما قام به عرف أن المساعد دخل الحلة وخرج منها سعيد بقدر وافر والمرأة التي صحبته إلي الخلاء تجلس جواره على العنقريب ولم تزال اثار الرمال التي افترشاها على ثيابها ودع السائق المرأة وعصر إليها مبلغ من المال في يدها . تمانعت قليلاً ثم قبلت النقود على مضض لمل الح عليها .
الركاب المتعجلون علي السفر كانوا قد انتهوا من صلاتهم وادعيتهم منذ زمن طويل . تناولوا اكواب الشاي الساخنة على ضؤ الرتينة ولما قاموا يستعجلون السائق كان اللوري قد سبقهم في لحظات قاموا برفع حقائبهم على ظهر اللوري وركبوا جميعاً وودعوا من بقى بالمقهى .
تحرك اللوري أولا في بطء ثقيل ولما استقام الطريق ذادت سرعته . الجميع كانوا في خوف رهيب من القادم . الطريق الذي كانت تعرفه المراة العجفاء ذات الرثاثة المحزونة كان مشرعاً على بنادق النهابين سريعة الطلقات وقفت المرأة تنظر بحزن شفيف إلي الغبار الذي خلفه اللوري . و تسألت : كم مرة وقفت هذه الوقفة تودع الاعزاء الذين يركبون لواري الغبار!؟ .

قصى همرور

صاحب البستان
قصي همرور
كانت في مخيلتي دائما، صورة الرجل الذي يمشي في الصحراء الشاسعة حافي القدمين، دليلا على التيه، وعلى فقدان الدليل ॥ راجعت هذه الصورة في خواطري الثقيلة وأنا أبدو بنفس المظهر الآن.. في عمق الصحراء.. حافي القدمين..
كنت قد خرجت من قريتي، دون نية عودة.. خرجت منها هاربا وطالبا.. هاربا منها إذ سئمتها.. سئمت فيها حياتي.. وسئمت الأليم من ذكرياتي.. وطالبا حلما.. حلما عزيزا راودني، وصاحبني في تقلبي يمنة ويسرة.. إذ أني، ابن القرية، كنت أحلم بمدينة، ليست كالمدن..
رغم كل ما يشير إلى أن تلك المدينة إنما هي غزل أحلامي، إلا أني خرجت أطلبها.. وبدل أن أسأل نفسي (لماذا الخروج في طلب الاحلام؟) أخذت أسألها ( و لم لا؟.. وما الذي بقي لي هنا كي أبقى أحرسه؟).. وقد أغناني عجزي عن إجابة ذلك السؤال عن الإلتفات إلى الآخر.. فخرجت لا ألوي على شيء.
ثم تواصلت بي السبل.. وأصبحت أنزل كل ليلة في منزلة، وأرتحل مع طلوع شمس اليوم المقبل.. ولم يحل لي المقام في بلدة أو مدينة، أو ساحل أو واد، أو قمة أو سفح، أو بر أو بحر.. حتى ألفت الترحال وألفني.. وأجدت صنعة الوحدة كما يجيد العامل الماهر حرفته..
فأصبحت أستأنس بها وتستأنس بي، ولا أقدر على فراقها سوى لفترات تقصر..
وبمرور الزمن أصبح ذلك نهج جديد لحياتي، وهدف في ذاته.. فأصبحت أرتحل لأن حياتي الترحال.. وأصبحت أحيانا أنسى ما خرجت من أجله، وأظن أني خرجت لكي أخرج، ولكي أعيش مرتحلا حاملا متاعي على ظهري، حتى أضعه عند قبري.. وبينما أنا في ذلك التيه، وفقدان الدليل ذاك، إنتبهت لنفسي، في حالة غريبة من الجوع والعطش والتعب.. وأنا أمشي في عمق الصحراء.. حافي القدمين..
مكثت على هذه الحال ثلاثة أيام، ليلها كنهارها.. بلا زاد و لا مأوى.. حتى أصبحت أمشي ولا أدري كيف مازلت أمشي.. وكأني فقدت السيطرة على أعضائي، وأمسكت هي بزمام أمرها تقودني معها إلى حيث لا أعرف..
وأنا على هذا الحال، أبصرت من بعيد، بستانا عظيما.. سوره من زجاج، يلمع مع إنعكاس ضوء الشمس.. وقد كان يقف عند بوابة البستان شيخ، داكن اللون، أبيض اللباس، صبوح الوجه.. ظل واقفا ينتظرني بهدوء وأنا أقترب.. حتى إذا أصبحت أمامه، إستقبلني وهو يفتح ذراعيه ويحتضنني ويقول بابتسامة حنون (حللت أهلا ونزلت سهلا).. رددت عليه وأنا في مزيج من الجوع والدهشة والهزال (أنا جائع) .. فقال (لدينا طعام).. وأخذني إلى داخل البستان.. وأخذ يهبني من ثماره ثمرة ثمرة.. آكلها بنهمة، وأترقب التالية.. وأنا سائر خلفه..
أدهشني دنو ثمار البستان ليد ذلك الشيخ.. فقد كان يقطف الثمار مباشرة من أشجارها.. ويقطف الثمرة بكل سهولة ويسر، ويناولنيها.. وأحسست وكأن تلك الثمار تتسابق إلى يده، وكلها تعرفه، وهو يعرفها.. وحين أتناول الثمرة أحس أنها ما تزال (حية تسعى) بنبض قوي وملحوظ داخل جسدي.. بدا لي وكأن كل شجرة في ذلك البستان تعرف هذا الشيخ، ولها معه قصة تطول.. وكأن كل وريقة، وكل فرع، وكل جذع في ذلك البستان هم امتداد له.. تسكن مع سكناته، وتتحرك مع حركاته، بنسق غريب.. كل ذلك لاحظته وأحسست به وأنا في جوعي ذاك، آخذ الثمرة من يده وألتهمها كما لو اني لم آكل منذ سنين..
سألته بامتنان (ما اسمك سيدي؟)..
أجاب (نادني صاحب البستان)..
قلت وأنا أنظر في عينيه، بنفس الإمتنان (صاحب البستان أنت)..
تبسم تلك الإبتسامة الحنون، وقال لي (ما اسمك؟)..
قلت (بُعَيْد)..

ثم هممت أن أحاول شرح الإسم ومناسبته، ظنا مني أن الشيخ لا بد وأن يكون قد تعجب من الإسم الذي من المؤكد أنه لم يسمع بمثله من قبل.. ولكنه فاجأني بقوله المستطرد المبتسم (ولكن ها أنت تقترب)..
صمت بعدها عن مواصلة كلامي وتهيأت للإستماع.. فقال لي وتلك الإبتسامة الحنون لا تفارقه (دعني الآن أخبرك القليل عن ما طعمت من ثمار هذا البستان)..
وأخذ يحدثني عن كل ثمرة بتفصيل، غير ممل وغير منهك.. بسرد جميل أخاذ.. حدثني عن أنواع تلك الثمار وأسمائها، وتصنيفاتها، وكيفية زراعة ومتابعة كل منها، ونوعية التربة الأفضل لكل منها.. بل أيضا حدثني عن محتويات كل ثمرة من فيتامينات وفوائد غذائية..
بصفة دقيقة وعلمية.. وأنا قد فغرت فاي من عجب ما أسمع.. حتى إذا به يضحك ضحكة خفيفة، مداعبة لمنظري.. أخجلتني بعض الشيء.. ثم أعقبها بقوله (حتى تعرف ماذا أكلت)..
قضينا بعضا من ذلك النهار في ذلك الأنس الساحر.. على أرض البستان الخضراء..
وانفرجت دواخلي لصاحب البستان، فأخذت أحدثه عن رحلتي، وحلمي، وما لقيته في الطريق حتى وصلت إلى بستانه.. وأخذت أحدثه في لهفة واستمتاع عن تلك المدينة الجميلة الشامخة التي خرجت من أجلها.. وهو يستمع.. ثم ساد الصمت لبرهة.. قطعه هو بقوله (تلك مدينة "كذا")..
بالطبع أخذت بعضا من الوقت أستجمع دهشتي.. لأقول له: (هل هناك مدينة حقيقية بهذا الشكل؟)..رد علي (نعم .. وهذا البستان من ضواحيها)..
قلت له (إذا فانا قد وصلت ؟).. لم يكن هذا هو أكثر أمر حيرني.. ولكن دهشتي وعجبي لم يعطياني براح إختيار السؤال.. فكان أن فلت مني هذا..
أجاب بعد ضحكة لطيفة توحي أنه أدرك موقفي ذاك.. ثم قال (ليس بعد .. ولكن اطمئن ..
سأدلك على طريقها)..
في تلك الأثناء بدأت أحاول إقناع نفسي بأن موعد الإستيقاظ من تلك النومة قد حان، فالأمر أصبح صعب الإدراك عندي كحادث من حوادث الواقع.. ولكن لم تجد محاولات إيقاظي.. ولم يمض وقت طويل حتى انتصب الشيخ قائما من جلسته.. وقال لي: (هيا إلى العمل الآن).. قلت (أي عمل؟)..
قال لي (ها أنت قد أكلت و تنعمت بظل هذا البستان .. والآن حان موعد رد الجميل له)..
ثم نظر إلي فترة، وهو ينتظر أن يسري التعجب في خاطري ويأخذ مفعوله.. ثم قال لي (هذا البستان يحتاج إلى يدك.. حتى يبقى مثمرا مخضرا، كما تراه الآن، وحتى يلبي حاجات القادمين إلى المدينة من أمثالك).. ثم ابتسم في وجهي برهة، وقال (لعلك كنت تظن أنك الوحيد الذي قام بمثل رحلة البحث هذه.. لعلك كنت تظن أن لا أحد غيرك خرج باحثا من قبل عن وجود له في مدينة الأحلام.. هذه المدينة قد داعبت أحلام الكثيرين قبلك.. وقد سبقوك إلى هذا البستان.. فتزودوا منه لطريقهم.. وبعد ذلك شمروا للإبقاء على نضارته وجماله كما وجدوه.. والآن دورك قد حان)..
قلت له (وكيف سأصل للمدينة إن كنت سأبقى هنا في هذا البستان لأعمل؟).. وقد أحسست بالخجل مباشرة بعد ذلك السؤال، فها أنذا أحاجج بكل بجاحة بعد أن كنت قبل قليل ضعيفا ومحتاجا..
ولكن صاحب البستان كان حليما، فأجاب بنفس الإبتسامة.. قال (أين رأيت أنت تلك المدينة؟).. قلت (في حلمي).. فقال (ومن أخبرك بوجودها حقيقة؟).. فقلت متعجبا (أنت!)..
قال (حسنا.. أنا أخبرتك بوجود هذه المدينة على أرض الواقع، وأنا أخبرتك أني سأدلك على طريقها.. أو لم أفعل؟).. قلت له (نعم.. و لكن).. وجدت نفسي لا أملك كلمة لكي أُلْحِقُهَا بتلك الـ (لكن) وهو ينظر لي بكل هدوء.. فصمت للمرة الثانية، مكللا بالخجل أمام حلمه وهدوئه، وأصبحت أنتظر تعقيبه.. فقال بعد لحظة صمت (ما الذي ترجوه وتتمنى أن تجده في المدينة؟).. لم أكن أملك إجابة جاهزة لهذا السؤال.. فأصبحت أجمع الكلام بسرعة، محاولا الإجابة إجابة مفيدة (السعادة.. و.. والطمأنينة.. والمجتمع الطيب الذي يحتضنني.. و.. وكل هذا).. نظر إلى وجهي بتأمل أربكني بعض الشيء.. ثم قال (هل تظن أنك سوف تواصل مشوارك نحو المدينة سيرا على قدميك هاتين فتصل إليها.. وتجد عند دخولها السعادة والطمأنينة هكذا بخطوة واحدة ؟.. ثم ما الذي يجعلك تظن أنك حقيق بالإنتماء لتلك المدينة؟).. وأردف قائلا (من حسن حظك أنك وجدت هذا البستان في طريقك.. وإلا لكنت ظللت هائما في تلك الصحراء إلى أن تلاقي حتفك دون أن تجد أثرا لما خرجت في طلبه).. هذه المرة كان معلوما وبديهيا أن أبدو مضحكا.. فاغرا فاي.. وغارقا في بحر من الألغاز، ومتعجبا من المحتوى الزاجر في كلام صاحب البستان.. حتى بدأت أحس أنه إنما يداعبني بذاك الكلام، وسرعان ما سيقول لي أنه يمزح.. ولكن قسمات وجهه لم تدل على شيء من ذاك.. فحاولت الإنصات أكثر.. علّني أفك رموز هذا اللغز..
هنا عاد الشيخ إلى الكلام، فقال (هذا البستان طرف من المدينة، وهو منها.. فإن رأيته فأنت عمليا قد رأيت المدينة.. ولكنك لم ترها بعد.. باعتبار أنك لم تر المدينة بعينها بعد)..
قلت ( لماذا؟)..
قال (لأنها ما زالت في حلمك.. فأنت تراها هناك فقط).. قلت (هي إذا ليست موجودة؟)..
قال (هي موجودة.. أو لم ترحل تاركا قريتك طالبا لها؟)..
قلت (ولكنها كانت أحلام، وليس لها صلة بأرض الواقع!)..
قال (إن من الأحلام ما هو أقرب لأرض الواقع مما تظن)..
قلت (ما معنى هذا؟)..
قال ( لقد رأى هذه المدينة أناس قبلك في أحلامهم.. ومنهم من رأى من تفاصيلها ما لم تره أنت.. فالإجماع على أنها موجودة موجود.. ولكنها تنتظر الإكتشاف)..
قلت (ولكنك قلت أن هذا البستان في ضواحيها!)..
قال (نعم.. هي موجودة.. وتنتظر الإكتشاف)..
قلت ( كيف!)..
قال (انظر معي.. إن المدينة التي أنت باحث عنها حدودها أوسع بكثير مما تظن.. وجغرافيتها ليست كالجغرافيا الإقليمية التي يتحدثون عنها في المدارس.. سأعطيك مثالا.. أنت تستطيع أن ترى مثلا خرطوم الفيل فقط، ثم تبني بعقلك صورة الفيل كاملة.. رغم أنك لم تر بعيني رأسك غير خرطومه فقط.. ولكن هذا كل ما تحتاج لتعريف هذا الكائن في موسوعتك الداخلية)..
أعجبني المثال جدا.. فقلت له محاولا أن أجعله يأخذ في شرح كلامه أكثر (ولكنك لن تستطيع معرفة الفيل بخرطومه إن لم تكن قد رأيته كاملا مسبقا)..
قال بابتسامة (تماما).. ثم أردف (كما أنك تستطيع أن تعرف الفيل بخرطومه إذا كنت قد شاهدت صورة فوتوغرافية للفيل من قبل.. أو وصفه لك مصدر موثوق وصفا واضحا.. إذ ليس ضروريا أن تكون قد رأيت الفيل رأي العين من قبل حتى تستطيع تمييزه).. قلت (صحيح).. ثم أردفت قائلا (إذا كيف تفسر لي أنني أرى المدينة حال رؤيتي البستان؟).. قال (لقد أخبرتك بداية أنها موجودة.. ولم أجعل وجودها مرتبطا برؤيتك لها في حلمك.. بل إني في واقع الأمر جعلت حلمك مرتبطا بوجودها)..
أعجبني كلامه ذاك.. وبدأت أدرك أنه كان يعني كل كلمة قالها.. ثم واصل كلامه قائلا (إن أمر هذه المدينة كأمر كنز قديم.. وضع صاحبه خريطته منذ زمن بعيد.. وقصها إلى قصاصات، ووزع هذه القصاصات على أرجاء الأرض.. فالتقط بعض تلك القصاصات بعض الناس.. ثم هاموا بذلك الكنز.. وانتشر خبرهم وخبر الكنز المفقود.. فأصبح الخبر يتناقل بين شعوب الأرض، وترسم صورته الحكايات والاساطير.. فأصبح طرفا من الخيال وطرفا من الحقيقة.. ولكن المهم أن وجود الكنز قد سبق كل ذلك.. وقد كان هو بداية كل ذلك).. أخذني كلامه في فضاءات أخرى.. ولم أعد متأكدا من أي حقيقة كنت أجزم بها قبل ذلك.. ولكني رغم ذلك لم أتحسر على تلك الخسارة، خسارة المفاهيم التي كانت سائدة في مخيلتي..وبدأت أحس أني مقبل على فرح كبير.. لا أدري لماذا.. كما أحسست أن علاقتي بصاحب البستان قد بدأت للتو، وستستمر إلى مدى لم أحسب له حسابا.. أحسست أنه يرسل حولي قيودا غير مرئية عبر حديثه الذهبي، ليبقيني في البستان.. وكأنه مشفق علي من أن أخرج للصحراء ثانية وأعود للحالة التي وجدني عليها في البداية..
كانت ظواهر تلك الرحمة بي بادية في عينيه.. لهذا وجدت نفسي أسكن إليه رويدا رويدا.. وقد عاد بي إلى النقطة التي بدأ منها ذلك الحوار.. فقال (العمل في هذا البستان سيجعلك تعرف قيمته وعلاقته بالمدينة.. وستزرع فيه شجرتك وتعتني بها حتى تثمر وهي حاملة لإسمك.. وسيأتي أناس مثلك جائعون فيطعمون منها.. ويحمدوا لك ذلك.. أولا تحب ذلك؟)..
قلت ( بلى)..
قال (أو لا يجلب لك ذلك السعادة؟)..
قلت (بلى).. وقد تكاثرت حينها الأسئلة والإستفهامات في رأسي مرة أخرى.. ولكني آثرت أن لا أسأل..
قمت من مكاني.. وأنا أنوي التجربة، وأستطيبها.. وأصبحت غير مبال كثيرا لأمر مواصلة البحث عن المدينة.. ربما لأنني إستطبت البقاء في البستان وكسلت عن أن أتركه إلى الرمضاء خارجه.. كما أني وللمرة الاولى منذ بداية رحلتي وجدت من يحدثني عن المدينة التي خرجت من أجلها حديث من يعرفها.. لم يكن بوسعي حينها بطبيعة الحال أن أجزم أن صاحب البستان فعلا يعرف تلك المدينة، ولكن كل قسمة من قسمات وجهه وكل حركة من حركات جسده تدل على أنه صادق في ما يقول وما يفعل.. ورغم أن الأمر برمته جرى في زمن قصير، تم فيه إقناعي بسهولة ويسر، وبصورة غريبة وعجيبة علي، لم آلفها من قبل، إلا أني مجددا تذكرت أني منذ دخولي بستان العجائب هذا وأنا أخسر مفاهيمي وتصلباتي القديمة دفعات دفعات.. الواحدة تلو الأخرى.. حتى تلك الثمار التي تذوقتها، لم أطعم ما يشابهها في حياتي.. شكلا أو طعما..
أردت أن أسأله أسئلة كثيرة.. وأنا في طريقي إلى بدء العمل على أية حال.. قلت له (وأين الذين جاؤوا قبلي ؟.. أين ذهبوا؟)..
قال بابتسامة (سترى منهم حال البدء بالعمل)..
فقلت له (هل من ملبس معين أحتاجه يناسب هذا العمل؟)..
قال لي (ملبسك هذا مناسب)..
قلت له (وأين العدة التي سأعمل بها)..
قال (سأسلمها لك.. حال نصل لمكان شجرتك)..

وحين وصلنا لموقع الشجرة، سلمني العدة.. وبدأت بمحاولة الحفر فورا، والحماس يملؤني.. كما أني كانت عندي رغبة، غريبة حمقاء، في أن أرى صاحب البستان قوتي الجسدية، متفاخرا بعنفوان شبابي.. فإذا بي أجر أذيال الخيبة والهزيمة من أول ثلاث ضربات! فوقفت ملتقطا أنفاسي، وأنا متعجب.. فالعدة كانت ثقيلة علي بشكل لم أتوقعه.. ورأيت صاحب البستان يضحك من منظري ضحكة مداعبة.. وأخاله قد أدرك ما دار بخاطري.. وقال لي (ستتعود على العمل رويدا رويدا.. فلا تستعجل)..
كانت هذه أول مرة منذ فترة طويلة أمارس فيها نشاطا غير الترحال.. لهذا إحمرت كفتاي بسرعة، وتخدشتا.. منذرتان بجروح من ذلك النوع الذي يصيب حديثي العهد بالحفر.. ولكن عنفواني أبى علي التشكي وإظهار ضعفي أمام صاحب البستان.. ولم أحسب حسابا في تلك اللحظات أنه قد رأى من المتحامقين في أول أمرهم قبلي الكثير، بحكم خبرته الطويلة.. وواصلت الحفر وأنا أنكر آلامي..
وبينما أنا في هذا الحال.. إذا به يقول لي (أراك بخير)..
قلت له بتعجب (إلى أين أنت ذاهب؟)..
قال (ذاهب لمشوار مهم)..
قلت له بلهفة (مشوار داخل البستان أم خارجه ؟)..
رد علي، مداعبا مبتسما (سأوصل بعض الثمار إلى المدينة)..
منذ ذلك اليوم، وأنا أقطن قريبا من شجيرتي.. أسهر عليها، وأنتظر.. وأحلم باليوم الذي أتذوق فيه ثمارها، ويتذوق منها غيري.. وكدت أن أستبدل حلم المدينة بهذا الحلم.. وأنا بين العمل والإنتظار، والصبر ونفاد الصبر، والحيلة وقلة الحيلة.. أتنزه أحيانا في أرجاء البستان الشاسعة، وأتأمل فيها.. وأسمع صدى صاحب البستان عندما يلفح النسيم وريقات الشجر.. يهمس بعبارات مفعمة بالأمل.. وأعجب من أين يأتي الصدى؟.. وأعجب أين ذهب صاحب البستان؟
قصي همرور
مارس 2004

فيصل مصطفى

أوان الدُعاشقصة قصيرة
فيصل مصطفى
... إنها
... يدي
... تلك
... الجسورة
... الحانية
... المخاتلة
... الكريمة
... الرادعة
... الرحيمة
... الطاغية
... ذات الأصابع الطويلة
... تأخذك أخذاً
... تمسك بتلابيبهم
... تقذف بي
... إلى أقاصي الدنيا
... تحطه
... ترفعه
... تتسلق بهم
... مدارج الغايات الكبرى
... عسى نور السماء
... أن يسمو بنا
... ويزداد إشراقاً
... ليضيء أعطاف النفق الحالك
... ليته يطهرك حتى ينقشع ضباب الغفلة
... التي غشيتني
... فيرى ما غاب عن بصيرة الفانين
... فأرويه حكايا
* * *
... هذه يده
... أبطش بها
... يربتون عبرها
... على متون ضحايا الحروب
... إنهم يغتصبون بها
... النساء الأرامل
... وبناتهن الصغيرات
... أعلم أن كبدك المفطور
... أحرقه صدري المشتعل
... إلا أن كبرياء المهمشين
... مجتثة الجذور
... من يؤجج نيران الحروب؟
... إنها يده الطولى
... ذات المخالب الحداد
... جذبت يدي
... كففتها عن القهر
... هيمن عليها كابوس
... لا يني
... يحرضني
... على المكر والفتك
... ويده مفتونة بالحقد والبارود
... وشبقة بالسيوف المسمومة
* * *
... كانت يدي ترتعش
... كرنين الساعة
... معلقة على صدره
... أكافح وعياً
... أجزم أن رصيده
... من الخبرات
... لا يحصى
... كلا
... إن يده ليست
... كلها خضراء
... ثمة بقعة جرداء
... فجوات
... أخاديد من السعير الملتهب
... تحرق القلوب الوالهة
... وتمزق فلذات الأكباد الرطبة
... من يبتر يدي ؟
... حتى لا يشق بها
... عصا طاعة
... سواد الناس
* * *
... إبان نهايات القرن التاسع عشر
... إهتبل "علي دينار"
... سانحة هزيمة "كرري"
... وسيادة الفوضى
... التي ضربت بأطنابها
... على مناحي "البقعة"
... ففر بجلده إلى "دارفور"
... ذات ليلة دهماء
... حيث تمكن من هزيمة منافسيه
... فارضاً
... سطوته على السلطنة
... مخضعاً "حواكير" معظم القبائل
... من "زغاوة" و "رزيقات" و "معاليا" و"بقارة"
... وغيرهم
... متخذاً "الفاشر"
... حاضرة له
... محيداً السلطة المركزية
... تجاهه
... موسعاً تخوم سلطنته
... من "ود باندا" شرقاً
... إلى "حفرة النحاس" غرباً
* * *
... تلك يد
... وهذي يدي
... أمدد يدك
... تكورت قبضتا يديهما
... إنتظمت أرتال السحب
... غطت سماء البلاد
... إنفجرت غيثاً
... كصرخة أول الميلاد
* * *
... أيتها الغبطة الوليدة
... ها أنت
... تسلكين فجاج الحواكير
... وتسكبين قطرات الندى
... لتضمدين بها جراحنا
... أعيدي إلى الجسد الخامد
... روحه السليبة
... هدهدي طفولته الموءودة
... يا ترتيلة عذبة مجيدة
... دعي بهجة المراعي تسود
... أشرعي أبوابك
... في وجه الفضاء
... ولا توصدينها
... دون الرياح
... فأن العواصف
... تجدد شباب الأزاهير
... والشجن يضفي سحراً
... على مشارف الربوع
... والدموع تزيد
... من وضاءة المحيا
* * *
... هل شممت أريج الدُعاش
... هذا أوانه
... حدق صوب الأفق
... وأعمل فؤوس الكدح
... في الأرض الخراب
... لا تخش المسغبة
... رغم عصف الريح
... وزغللة البروق
... ورهبة السحب الراعدات
... وقارسات الشتاء
... والبطون الخاويات
... دع الترحال
... وإبن صرحك العالي
... مراعٍِ ومروجاً زاهيات
... وأطو وهم السراب وأعرج
... فإن السفر الطويل
... أوله خروج
* * *
... أمدد يديك
... بلا سلاح
... هذه يدي
... ملأى بألوان البراءات
... والود القديم
... لقد أضلنا هوانا
... هذا أوان الدُعاش
... رائحة المطر الوشيل
... تاهت يدانا
... بين أضاليل الطغاة
... وقوة الجسم الغريب
... هناك في البعيد
... بلا مدى
... بلا زمان
... ولا مكان
... حيث حافة الكون الوهمية
... تبرق يد

منى أبو زيد محمد صالح


سـرُّ الانحنـــاءة !

منى أبو زيد محمد صالح


زعيلة بنت جلوي أنثى أثبتت خصوبتها بحماس فيه بعض المبالغة، فقد كانت زوجةً قبل أن تنهي ألعاب طفولتها وأصبحت أماً قبل أن تقف بثبات على أعتاب الأنوثة، وعندما صارت جدة كان ذلك قبل أن تصل إلى سن العنوسة حتى!

تفنُّن العجوز زعيلة في ممارسة أنوثتها ما هو إلا شكل من أشكال سطوة التقاليد في قريتها الصغيرة التى تقع في الشمال، والتى لم يسمع بها أو يعرفها إلا من كان يمتلك المبرر المُلح والكافي ليفعل!

إمرأةٌ مثقلةٌ بالحكمة الحاضرة كسنابل القمح وقت الحصاد حكمتها كاللؤلؤ لم تتكوّن في ظل التّرف بل كانت حصيلة كل ما مرت به من مصاعب وما قاسته من آلام وما شهدته عبر تعاقب جيلين من قفزاتٍ حضاريّةٍ متسارعةٍ هزّت مجتمع القرية بسخاء.

وعلى الرغم من كونها قد أمضت جلّ حياتها في إحدى قرى الشمال الخاملة إلا أن حكمتها في سبر أغوار النفوس كانت تمتد لتشمل الغرباء القادمين إلى القرية أو حتى المتمدّنين المنغمسين في مغازلة مدنيّتهم بعيداً، والغافلين عنها وعن حقيقة وجودها على سطح البسيطة !

هبوب رياح التغيير في مجتمعها الصغير تطلّب نزوح معظم أبنائها إلى العاصمة الكبرى مروراً بعاصمة الشمال في متواليةٍ نمطيّةٍ مَنطقََتْها رياح التغيير التى هبت ذات سكون !

كانت تتذمر من زيارة الرياض تفعل ذلك بثباتٍ لا يتزحزح وإن اضطرت لزيارة حائل تتململ أساريرها فتبرز التجاعيد في وجهها بجفاء. أما حين تؤوب فقد كانت نظرتها تعانق الرمال وعلى جانب فمها المتغضن طيف ابتسامة!

في إحدى زياراتها الشحيحة للرياض، قالت ذات مساء مخاطبة إحدى صديقات حفيدتها التي كانت تتذمر من تقصف شعرها الذي أنهكته مستحضرات التلوين.

ـ في زماننا كنا نضع بول الإبل فكانت جدائلنا مضرب الأمثال !

ثم متظاهرةً بأنها مجرد عجوز أمام تلك النظرة المرتاعة التي حدجتها بها حفيدتها المتفرنجة.

لم تغب عن فطنتها نكهة السخرية في سؤال الضيفة التي قالت بقرف أجادت إخفاءه:
ـ كيف تستخدمونه؟
ثم مشيرةً بأصابعها الأنيقة إلى رأسها الجميل:
ـ وكم يبقى على الشعر يا جدتي ؟!

إلا أنها بدت مستمتعةً بامتعاضهما فاسترسلت خارج النص:
ـ الإبل في زماننا كانت ترعى على الأعشاب المغذية والعطرية في آنٍ معاً أما الآن فقد تغير الحال أصبحت ترعى كيفما اتفق، بل أنهم باتوا يطعمونها كل شيء.

وعلى الرغم من حكمتها التي لا جدال فيها، كانت تبدو في لمحات عابرة مجرد عجوز أخرى بسيطة يسعدها تبادل الذكريات مع من عاصرها أو من لم يفعل لا فرق.

كانت تحكي قصة الضيف الذي أتاهم على حين غرة وزوجها غائب وأولادها بعد صغار كلما سنحت سانحة لذلك.
ـ والله قمت وذبحتها وسلختها وما عاد أبو مبارك إلا وغداهم والم!

وعندما هم زوجها بالزواج من منيرة أرملة دخيل الله ذات السوابق في الزواج تشفع لها أنوثتها ونظافتها ونشاطها الفريد الذي لم يقاوم إغراء الاستفادة منه رجال ذلك الزمن الذين أرهقهم الفقر، عاد إلى البيت في إحدى الأمسيات القليلة المتبقية لها قبل أن يصبح لهما معاً يحمل بين يديه ثوبين أهداها أحدهما على سبيل الترضية، فسألته :

ـ الآخر للعروس؟

ثم ... وقبل أن يجيب:
ـ وأمها؟

سكت، فأعطته ثوبها، ولم تنم ليلتها تلك!

العجوز زعيلة كانت ولم تزل تذكِّرني بالآنسة ماربل بطلة روايات أجاثا كريستي الشهيرة!!
تلك العانس العجوز الفائقة الذكاء التى لم تفارق قريتها الصغيرة، سينت ميري ميد، والتي تتمتع بموهبة التحليل العميق لتصرفات الآخرين وفهم ما يدور بدواخلهم ربما أكثر منهم!
مستعينة على ذلك بعلاقاتها الاجتماعية المتشعبة وما كان لأمها وجدتها من دور كبير فى تلقينها الكثير من الأفكار والمثل التي حملتها في حياتها بعد ذلك.

لطالما اعتقدت أن هاتين العجوزين متشابهتين لحد التطابق !
فعلى الرغم من عنوسة الآنسة ماربل الأبدية وكون العجوز زعيلة زوجة وأم وجدة أيضاً، الأمر الذي يجعلنا نتوهم اختلافاً جوهرياً، إلا أن ذلك التضاد ما هو إلا تأكيد آخر على مدى التشابه الذي يبلغ حد التطابق في المعالم الشخصية بين العجوزين الموغلتين ظاهرياً في اختلاف قشريٍّ مزعوم !

ففي الحالتين...عنوسة الآنسة ماربل وتفنن العجوز زعيلة في ممارسة أنوثتها نجد أننا أمام نتيجة حتمية لسطوة التقاليد !

فعوانس تلك القرى هُنّ في النهاية ضحايا لصرامة التقاليد في الريف الإنجليزى! والزواج في مرحلة التحول من الطفولة إلى الأنوثة ما هو إلا جزء من صرامة التقاليد في تلك القرى عندنا!

على أن إيقاع التطابق في معزوفة التشابه تلك يكمن في تلك الانحناءة بكل تفاصيلها !

انحناءات العجائز على أشيائهن من المشاهد المألوفة في كل القرى تمر بإحداهن وهى منحنية على شئٍ ما. منهمكةً أو متظاهرةً بالانهماك في تفحصه أو معالجته. على أن ما لا يمكن أن يفوت أي واحدةٍ منهن على وجه الخصوص هو ما يفعله الآخرون أثناء ذلك الانهماك المزعوم !

تقترب من العجوز وأنت تسير في الشارع ً تحييها متوقعاً أن تتفاجأ بك، لكنها ترد التحيَّة ومن ثم تلقي عليك وابلاً من الأسئلة ثم تحدثك عن اتجاهك وكأنها لم تكن تفعل شيئا سوى مراقبتك وأنت تسير !!

تفعل ذلك وهى منحنية على شؤونها تلك تعالجها بذات الكفاءة التي تعالج بها محاولاتك اليائسة للتملص من أسئلتها الفضولية !
ومن ثم قد تصبح أنت أيها المستهين بكل ذلك ـ ما بين ليلة وضحاها، وعلى الرغم من كل البراءة التى ينضح بها وجهك ـ قصةً أخرى من تلك القصص التي يتداولها الآخرون مؤكدين حقيقة حكمتها البالغة في معرفة خبايا البشر .
منهمكين بذلك في ممارسةٍ نموذجيةٍ لجحيم سارتر !!
إذاً، لم تنحن الآنسة ماربل يوماً عبثاً ولم تنحن العجوز زعيلة يوما ًسدى !!

كل إنحناءاتهما حبلى بالنتائج الباهرة التي تعقبها دوماً ممارسة مبهرة للحكمة !


العجوز زعيلة هي صورة رمزية لمعظم عجائزنا القرويات !
والآنسة ماربل هي صورة أخرى لكل عجائز الريف الإنجليزي.

لا أحد يستطيع الجزم بشأن هؤلاء العجائز.
هل ما يفعلنه من ممارسة لحكمتهن نابع عن ما يبذلنه من جهد لتفقد أحوال الناس أو أنهن يعرفن كل ما نعرفه ـ فقط دون زيادة أو نقصان ـ لكنهن يفلسفنه وفقاً لخبرتهن العميقة في تحليل تصرفات البشر باختلاف انتماءاتهم وطبقاتهم وحقيقة ما يفعلون !


بصرف النظر عن طبيعة الإجابة أو مبررها المنطقي، وسواءً كان ذلك في عالم الخيال والأدب أو على أرض الواقع، لم تفقد العجائز يوماً قدرتهن المتجددة على إبهارنا حينما تداعب نسائم فطنتهن غرور شبابنا الغافل عن حقائق عالمهن.

تلك الحقائق التى لن نقف عليها كاملة إلا بتعاقب السنوات علينا !